السبت، 19 نوفمبر 2016

المانوية

بدعة «المانوية» تنسب الى ماني وهو رجل ايراني عاش بين عامي 216 و 277 ، وكان يقول عن نفسه انه رسول المسيح، وانه المعزي الذي وعد به المسيح في الانجيل. وفلسفة هذه البدعة هو أن الشر كان منذ الأزل في الكون، كقوةٍ عامة، منحصراً في إله الشر الأزلي. وبين مبدأي الخير والشر نزاع مستمر، غير أنهما ممتزجان في العالم وداخلان معاً في طبيعة الإنسان المؤلَّفة (حسب هذا المذهب) من نفسٍ مأخوذة من ملكوت النور تتبع إله الخير، وجسد بحياته الحيوانية مأخوذ من مملكة الظلمة يتبع إله الشر. فالخطية (في هذه الحالة) هي شر جسدي، ودنس الروح الذي نشأ من اتحادها بجسد مادي. وتتم الغلبة على الخطية بوسائط طبيعية تقدر أن تبيد تأثير الجسد في النفس. ومن ذلك نشأ الاعتقاد بفاعلية الامتناع عن الطعام والتقشّف لتطهير الإنسان.
ومن خرافات ماني قوله “ان الذي يقطف نبتة من شجرة تين يجعلها تبكي هي وثمرها معا. اما الدموع فهي الحليب الذي يقطر. وان قطف الثمر جريمة، لان الثمر جزء من الاله.. ولكن ان قطف الثمرة واحد من اتباع ماني ثم اكلها تصير ملائكة في معدته..
وكان “ماني” يقسم اتباعه الى نصفين “افضلهم هم الذين يحرمون انفسهم من كل شئ بدرجة غير معقولة.. ومنهم البسطاء (او السامعون) الذين يقدمون الخدمة للنوع الاحسن، ويمكنهم ان يعيشوا كما يريدون” ..
وغريب ان الفيلسوف الحكيم اغسطينوس عندما كان عمره 18 عاما تبع فلسفة ماني .. !! وقد اختار اغسطينوس درجة “سامع” حتى يعيش كما يحلو له ويخطئ كما يحب. يكفيه ان يخدم احد اتباع ماني الصالحين. وقضى اغسطينوس 10 سنوات يدرس تعاليم ماني ويدعو اليها. لكن الله انقذه منها، وكان ذلك عندما قابل تلميذا عظيما من تلاميذ ماني كان الناس معجبين به كثيرا . وجاء اليه اغسطينوس يسأله ، فوجده فارغا لا يقدر ان يجاوب.. ومن حينها ترك اغطينوس تعاليم ماني وبدأ يبحث عن شئ جديد.
وهذه البدعة اتبعها فيها اغسطينوس
ومن الأدلة على بُطلان هذه البدعة ما يأتي:
(أ) عدم موافقته للاعتقاد الصحيح في طبيعة الله وصفاته، لأنه يجعل شيئاً غير الله أزلياً ومستقلاً عن إرادته، فلا يبقى الله جوهراً غير محدود، ولا ملكاً مطلقاً، بل يكون محدوداً دائماً بكائن آخر ذي قوة أزلية مثله، لا يقدر الله أن يتسلط عليه.
(ب) يُبطل طبيعة الخطية الحقيقية، لأنها بموجبه تكون مادية في صفتها، وتكون من لوازم طبيعة الإنسان المخلوق والمؤلف من مادة وروح.
(ج) يُبطل مسؤولية الإنسان، لأن الشر الأخلاقي (بموجبه) ينتج من ذات بنية الإنسان، ومصدره خارج عنه. والشر جوهرٌ (كيان) ماديٌ ذو قوة عظيمة. وهذا الرأي مردود من كل وجهٍ، ولا علاقة حقيقية له بالتعليم المسيحي.
اهم ما تقوم عليه المانوية هو أن المادة شر وأصل كل الشرور. ومن الأدلة على خطأ هذا الرأي:
(أ) إن الخطية لا تقوم بأفعال الطبيعة الحسية، فإن المخلوقات الذين يحسبهم الكتاب أكثر إثماً من الجميع هم الأرواح الساقطون الذين هم بلا أجساد وبلا ميول جسدية شهوانية.
(ب) لا علاقة للخطايا الكبرى بالجسد، فإن الكبرياء والخبث والحسد وحب الرئاسة، وما هو أكبر من ذلك كعدم الإيمان والعداوة لله ولملكوته وغير ذلك مما يقلل شأن الإنسان ويثقل ضميره، هي خطايا روحية لا جسدية، وتوجد في الخلائق التي ليس لها بنية مادية، وأيضاً في النفس بعد انفصالها عن الجسد وموت طبيعته الشهوانية.
(ج) يلزم عن هذا المذهب إبطال شعورنا بالخطية، لأن الشر الأخلاقي (بموجبه) هو ضعف أو خضوع قُوى الروح الأضعف لقُوى الجسد الأقوى، فلا يُسأل البشر كثيراً عما يفعلون، أو لا يُسألون مطلقاً.
(د) يلزم عنه أن الطهارة تقوم بضعف الجسد، وهذا باطل فإذا صح أن الجسد هو مقرّ الخطية ومصدرها، يلزم أن كل ما يؤدي لإضعافه أو تقليل ميوله يجعل الناس أنقى وأفضل. مع ان هذا خاطئ، فالفريسيون أفضل أمثلة لذلك، فمع كل تقشفهم ومواظبتهم على الصوم والصلاة حكم المسيح بأنهم أبعد من العشارين والزناة عن ملكوت الله.
(هـ) يلزم عنه أن المتقدمين في السن هم أهل الصلاح، لأن شهوات الجسد ماتت فيهم وفقدوا القدرة على التمتع بشهوات الشباب، ولم يبقَ فيهم ما يمكّن العالم من جذبهم إليه. ولكن الإنسان ما لم يتغير بنعمة الله لا بد أن يتقدم في الشر كلما تقدم في الأيام، وتفقد نفسه الحس بكل ما يرفع شأنه في الأمور الروحية، وتتغرَّب أكثر فأكثر عن الله، وتصير أقل شكراً له على مراحمه وأقل خوفاً من غضبه وأقل تأثراً من كل ما يعلن به مجده ومحبته. فليس الجسد أصل الخطية.
(و) هذا الرأي يخالف تعليم الكتاب المقدس. نعم ينسب الكتاب قسماً عظيماً من الخطايا لطبيعة الإنسان الشهوانية، ويوصف الجسد في الكتاب بأنه مقر الخطية، وجاءت كلمة «جسداني» فيه مرادفة لفاسد أو خاطئ. لكن الكتاب لا يعلّم أن الانفعالات الحيوانية أو الحسية هي مقر آثام الإنسان ومصدرها. ولكن كلمة «جسد» و«جسداني» في العبارات المشار إليها تدل على طبيعة الإنسان بدون تجديدها بالروح القدس، ولا تدل على التمييز بين الجسد والنفس بل بين الطبيعة المتجددة والطبيعة غير المتجددة.