الاثنين، 6 ديسمبر 2021

ويل لي

هذه العبارة ترددت على فم اثنين ؛ اشعياء والمرنم في سفر المزامير. الاولى، كانت شعورا بالنجاسة والثانية شعورا بالغربة والام الوحشة. في احد اﻻيام وجد اشعياء نفسه واحدا من جماعة العابدين الكثيرين الذين يصعدون درج الهيكل. ظل يصعد معهم حتى وصل باب الهيكل الجميل، واذ وقف هناك لم يكن يخطر بباله ان تلك الساعة سوف تكون ارهب ساعة في حياته، وانها سوف تكون دعوة لخدمة الرب.
كان امامه الهيكل حيث تقدم الذبيحة المسائية .. على كل جانب كان يقف 250 من اللاويين، ممسكين في ايديهم اﻻت داود، متهيايين لانشاد المزامير المعتادة..
واذ وقف غارقا في افكاره .. لم يشغله تلك المناظر المحيطة وﻻ ﻻصوات التي يسمعها و ﻻ الشمس المتالقة وﻻ برخام الهيكل الشفاف وﻻ بموسيقى اللاويين وﻻ بالجماهير المزدحمة ذلك ﻻنه راي عرش الله نفسه. ولقد سمع تسابيح السيرافيم وفي لحظة غرق في تلك الرؤيا السماوية وفي لحظة اخرى غر في شعور تبكيت شديد اذ قارن نفسه باولئك الذين يسبحون بشفاه غير دنسة. فصرخ:
"ويل لي اني هلكت ﻻني انسان نجس الشفتين"(اش٦).
لماذا؟
ﻻنه بعد عصر عزيا الذهبي افسدت الثروة نفوس الكثيرين .. وفي ايامنا هذه، ربما الرخاء والتقدم جعل الكثيرين يفقدون الروحانية. والمثل العليا التي وصلت من اجدادنا المباركين تلاشت. انه حدث يحمل معان كثيرة:

اولا، اﻻقتناع بعدم اﻻستحقاق:
ويل لي اني هلكت!
هذا الرجل الذي يبدو انه كان اطهر وانقى شخص في اسرائيل، ﻻنه طوبى ﻻنقياء القلب ﻻنهم يعاينون الله. كان مقتنعا بحقارة خدمته الماضية .. وهذا الذي سيتلقى حاﻻ رسالة لينطق الله على فمه كان يعترف بنجاسة شفتيه!
عزيزي! ربما تكون قد صرفت خمسة عقود من حياتك في خدمة المشردين وعمل الخير .. لكن الله يأخذك الى الموضع الذي يريك الله فيه ماضي حياتك ويأمرك بالتأمل فيه فترى ذاتك في نور الروح القدس فتصرخ:
"اني هالك!".
الواقع ان رؤية يسوع هي وحدها لها القدرة ان تجعلنا نقتنع بنجاستنا .. نور عرشه العظيم اﻻبيض هو من يجعلنا نرى لطخات الخطية في ثوبنا الابيض الذي نلناه في المعمودية. واذ يسلط نوره على قلوبنا نرى ما بها من نقائص.

ثانيا، اﻻقتناع بأن الرب قريب:
قد تكون مؤمنا ان مجد الرب يبدو واضحا جليا في تلك الرؤيا او ذاك .. اما ان نسمع ان مجده يملأ كل اﻻرض فهذا يبعث دهشة!
اعرف مكانا في بلد وضعت فيه امرأة طفلها فوق قضيب حديدى محمى اثناء جنون سكرها. وحيث ضرب رجلا وزوجته طفلة حتى الموت. كان يخيل الي ان مجد الرب لم يكن موجودا في ذلك المكان. لكن السرافيم يقولون: “مجده ملء كل اﻻرض". وهذا يذكرنا بقول الشاعر:
مجد السماء يغطي كل اﻻرض
وكل شجرة تعكس بنضارتها مجد الرب
العيون المفتوحة فقط ترى وتخلع نعلها
والقلوب النقية فقط تعاين الرب
في احد اليوم كنت راكبا حافلة مظلمة وظننت ان مفتش التذاكر لن يستطيع فحص التذاكر بسبب الظلام لكنه انار كشافا وفحص كل التذاكر .. وهكذا ينبغي ان نفهم انه عندما يكون القلب عامرا بنور الله نستطيع ان نرى الله في كل مكان كما يحمل عامل المنجم المصباح فيهدى خطواته في المنجم المظلم. تستطيع ان تتبينوا وقع اقدام الله في حفيف اوراق اﻻشجار كادم.. وان تسمعوا صوته الرقيق الخفيض كايليا .

ثالثا، اﻻقتناع بحاجتنا الى التوبة:
ﻻحظوا ان الكاروب لم يؤمر. انطلق من ذاته تماما مثل صبي الصيدلي الذي اذ تمرن على احضار الدواء لمرض معين، فاذا اتى مريض بنفس المرض عرف تماما الدواء الذي يحضره دون استشارة الطبيب.
اخذ الملاك الجمرة وكانت تمثل الدم والنار.
الا تسمع صوت دم الحمل يسيل حول تلك الجمرة؟
نحن نحتاج اوﻻ الى الدم. ﻻ شئ غيره يفي بالغرض! هذا الذي اتي بالدم والماء.
اﻻ يوجد ماضي تأسف عليه؟ اﻻ يوجد خطايا تريد الخلاص منها؟
انه ﻻمر طبيعي ان تقول كما قال اشعياء: اني هالك.
وبعد سنوات من الخدمة تأتي الدعوة لتجدد مطلب قديم!
"ﻻ تمسوا نجسا!".
"اعتزلوا اخرجوا من هناك "(اش52: 11)
ﻻبد ان هذه الكلمات تشير الى المشهد التالي: في عز8 يتحدث عن رجوع عدد وفير من بابل الى بلادهم وعند النهر توقف الركب 3 ايام لجمع المشتتين وﻻعداد الركب لرحلته في الصحراء الفسيحة التي تتوسط بين الشريط اﻻخضر المتاخم للنهر وارض جلعاد وطنهم.
كانوا منتظرين عندما دعا عزرا جماعة من الكهنة ﻻنه كان في حيرة بصدد حمل اواني المقدسة التي سبق ان نهبها نبوخذنصر لكن كورش اعادها .. وفي احتفال عظيم ليلة ارتحالهم سلم اﻻواني الى 38 كاهنا و220 ﻻويا التحقوا بالركب. قال لهم "انتم مقدسون للرب واﻻنية مقدسة. فاسهروا و..”(عز8: 28). ﻻحظ كيف حرص على حمل اﻻنية المقدسة على ايدي اشخاص مقدسين. وكأنه قد قال "تطهروا يا حاملي انية الرب".
اخي "احفظ الوديعة المقدسة بالروح القدس الساكن فينا"(2تي1: 14).