‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة يسوع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة يسوع. إظهار كافة الرسائل

السبت، 5 يناير 2019

اكلة على شاطئ بحيرة


اكلة سريعة على شاطئ بحيرة
(يو21: 1-19 و مر16: 7)
في تلك الايام ترك سبعة من التلاميذ اورشليم وذهبوا الى الجليل، كما امرهم يسوع. وفي الواقع، انه كلف النسوة اللواتي راينه قائما ان يبلغوا رسالة. ان يقلن لرسله الحميمين انه ينتظرهم في الجليل.. والجليل، بلد الطوائف المختلفة. وهكذا يريد يسوع ان يرسل تلاميذه الى جميع الشعوب. وهؤلاء التلاميذ السبعة كانوا: بطرس وتوما وبرثلوماوس ويعقوب ويوحنا واثنين اخرين.
ما العمل وهم في انتظار ظهور يسوع؟ .. لابد ان يعيشوا ويمضوا وقتهم في عمل ما. عثروا ثانية بسهولة على سفينة وشباك.
قال لهم بطرس:
انا ذاهب للصيد.
ونحن نذهب معك.
وها هم يركبون السفينة.
ولكنهم خلال الليل كله لم يصيبوا شيئا: لان السمك المتقلب يتقدم اسرابا ثم يتراجع فجاة.. ولعل بطرس ومن معه فقدوا شيئا من مهارتهم بعد سنتين..
فتعبوا، وها هم عند طلوع الصبح يعودون بالسفينة.
وكان رجل مجهول في انتظارهم. فصاح فيهم من بعيد:
ماذا؟ هل وفقتم في صيدكم يا فتيان؟
لا، لم نصب شيئا البتة.
لكن هذا الشخص المجهول، لذي يتطلم كانه خبير في مهنتهم، يصيح :
"صدقوني!.. القوا شباككم الى اليمين تجدوا"
"لعله على صواب، على كل حال، اذا كان موجودا هنا من مدة، فربما يكون قد لاحظ بضع سمكات كبيرة تقفز وتعوم على سطح الماء. ولما كان الصيادون متضايقين بعض الشئ لرجوعهم خائبين، عزموا على ان يحاولوا مرة اخيرة.
فنشروا الشبكة نحو المكان المشار اليه .. وبعد قليل راوا السدادات التي تدعم الشبكة تهتز.. وعندما ارادوا ان يسحبوا الشبكة لم يكن هذا ممكنا، لثقلهت من كثرة السمك.
عندئذ تذكر يوحنا.. رجع الى ذاكرته صيد اخر عجيب.. فلابد ان يكون هو يسوع.. همس في اذن بطرس الذي يتصبب عرقا من جذب الشبكة:
"هو يسوع بالتاكيد"
بغتة ادرك بطرس الموقف. فترك الشبكة تسقط في الماء، لبس صدرية الصيد، لانه كان عاري، وقفز في الماء ليعوم الى الشاطئ.. وقفز الاخرون بسرعة واخذوا يجرون السفينة حتى البر، الذي لم يكن الا على بعد مائة متر تقريبا.
وها هم على اليابسة. ماذا ابصروا؟ .. يسوع بقرب نار حطب بسيطة.
وعلى هذه النار يشوي سمكا، وبضع قطعات من الخبز. قال لهم يسوع:
"هاتوا من ذلك السمك الذي اصبتموه"
فصعد بطرس ثانية الى السفينة وجذب الشبكة الى البر.. وجد فيها مائة وثلاثة وخمسين سمكة من السمك الكبير، ولم تتمزق الشبكة رغم هذا العدد الكبير.
"هلموا الان الى الطعام"
خلال هذه الوجبة البسيطة، لم يكن احد غبيا الى حد انه يسال يسوع: من انت؟ لعلمهم جميعا انه الرب. . ونزولا على رغبته تركوه يخدمهم/ ويوزع عليهم الخبز والسمك..
وبعد الطعام قال يسوع لبطرس:
"اتحبني اكثر مما يحبني الاخرون؟"
السؤال غريب ! زعج بطرس بعض الشئ.. لا شك في انه يحب يسوع!.. ولكن، اكثر من الاخرين.. لو اكد ذلك لكان في حرج عظيم، انه يتذكر تصاريحه المفرطة عن امانته امام كل الاخرين، بضع ساعات قبل تلك الليلة، ليلة القبض على يسوع. ويتذكر فناء منزل رئيس الكهنة، والخادمة وصياح الديك..
فيجيب بخجل:
"يا يسوع، انت تعلم اني احبك!".
اذن، ارع حملاني".
ساله ثانية:
"يا بطرس، اتحبني اكيدا؟"
"نعم، انت تعلم اني احبك!..".
(وبطرس متضايق من هذا الالحاح)
"اذن، ارع خرافي".
وللمرة الثالثة:
"يا بطرس اتحبني حقا؟"
وعليه حزن بطرس .. اذن يسوع ليس متاكدا من حبه !.. لا شك في ان بطرس انطره ثلاث مرات!.. وهذا الموجود على الشاطئ يذكره بالحاح بمجمرة فناء قصر رئيس الكهنة.. اه، مسكين يا بطرس! .. ها هو متالم وعلى وشك البكاء لظنه ان يسوع يشك في محبته.. غير انه مستعد ان يضحي بحياته ليعوّض عن خطيته!..
حينذاك وفي غاية الاضطراب، نظر الى يسوع بعينين مغرورقتين بالدموع، وكبت الشهيق الذي يتصاعد في صدره، واجاب بساطة:
"لكن يا يسوع، بما انك تعلم كل شئ وتعلم عمق قلبي، لا شك انك تعلم اني احبك حقيقة!"
فاذن ارع خرافي"
كان يسوع قد اعلن عن انه الراعي الصالح، اي قائد الشعوب المثالي.. فهو الان يشرك بطرس في ذلك. بعد ان محا في نظر الاخرين، انكاره الثلاثي بتاكيد ثلاثي لحبه.

هل شوهد قط شبحا يأكل؟



هل شوهد روح قط ياكل؟
(لو24: 36- 50 و يو20: 19- 23)
كان التلاميذ قد اجتمعوا مساء نفس اليوم الاحد في منزل اصدقاء لهم في اورشليم/ العلية. وكانوا متعصمين فيه لانهم يخشون من اليهود: اليس هم تلاميذ يسوع هذا المتهم بالتمرد على السلطات اليهودية والرومانية؟
وبغتة سمعوا:
"سلام لكم"
ذهول!.. يسوع موجود هنا.
من اين دخل؟ .. لا يعلمون! .. جميعهم مسمرون في مكانهم من الخوف .. يظنون انهم راوا روحا او شبحا.
"ما بالكم مضطربين هكذا؟ لماذا تشكون فيّ اني انا هو بنفسي؟ .. ان الارواح ليس لها جسم كما ترون لي".
غير انهم لم يجرؤوا بعد ان يصدقوا/ يتنازعهم الفرح والشك. يخشون ان ينتهوا بالاسف على لحظة فرح كاذب اذا تسرعوا واعتبروا مجرد رغبتهم في رؤيته حقيقة راهنة وليست وهما وتخيلات.
وعليه سالهم يسوع:
"الديكم ما يؤكل؟"
حقا ان جسم يسوع مختلف كل الاختلاف/ وهو جسم متجل بالطبيعة لايحتاج الى اكل. هذا واضح. ولكن الذي يقدر على الاكثر يقدر على الاقل. من له السلطان ان يتخلص من قوانين المكان والزمان بمكنه ان يخضع نفسه لهذه القوانين..
ناولوه قطعة من سمك مشوي. فاخذها واكلها بمراى منهم .. والاكل عملية تعبر عن الحياة.
وحصل ان تعرف التلاميذ على يسوع تدريجيا. تعرفوا عليه بكل حرية وكان في وسعهم ان يرفضوا الايمان. في ظل هذه المقابلة، ان اثبات الحالة جماعي والتحقق المتبادل سهل. فلانهم راوه ياكل ، هم على يقين الان انه هو بنفسه يسوع .. وحينذاك، كم كان فرحهم غامرا.
انا لا نندهش من ان تلاميذ يسوع قد شكّوا. في عصرنا ايضا يوجد من لا يؤمن بقيامة يسوع. يفكر الناس بسهولة: "قام يسوع من بين الاموات" تعني ان ذكراه بقيت حية في قلب تلاميذه فحسب، او ان مثله العليا ورسالته لا يزالان يحولان القلوب ويجددان حياة العلم. ولكن كتبة الاناجيل لم يكتفوا بتنسيق حوادث قصة، ولم يكذبوا. ان التلاميذ راوا حقا ان يسوع حيا بعد قيامته. ومئات من المسيحيين الذين يعيشون اليوم على الارض ما كانوا يضعون ايمانهم في يسوع ان لم يزد عن كونه ميتا مشهورا وراحلا ذائع الصيت. بل كانوا يعجبون فقط به ولكن لا يحبونه الى درجة ان يكونوا مستعدين للموت من اجله. والمسيحية ليست هي اولا عقيدة بل التعلق بشخص حي هو يسوع.
بعد قيامته اراد يسوع ان يعطي براهين على انه ليس روحا لذا قدم ذاته بطريقة مالوفة، مثلما كان يفعل في الحياة العادية، ترك الناس تلمسه، اكل وشرب .. ولكنه ايضا اراد ان يظهر انه من عالم اخر: فكان يظهر بغتة والابواب مغلقة، ويختفي بغتة.
ويسوع لم يظهر لمجرد البرهان على انه قاك حقا، بل كانت عنده رسالة يكلفهم بها: انهم يحلون محله لتكملة عمله:
"لابد من ان تشهدوا لي: اي انكم تكونوا مستعدين على ان تبذلوا حياتكم لتؤكدوا ما رايتم وسمعتم"
"كما ارسلني الاب السماوي لاخلص العالم من الشر والخطية، انا ايضا ارسلكم.. اذهبوا الى كل مكان واعلنوا عن عودة القلوب وغفران الخطايا للذين سوف يتجهون نحوي".
"قد تظهر هذه الرسالة فوق طاقتكم. ولكن اطمئنوا. سارسل اليكم روح الله الذي يملؤكم قوة تاتي من الاعالي"
وعليه نفخ فيهم يسوع.. لينفث فيهم حياة جديدة – لان النفس هو الحياة – وها هي العلامة الخارجية لتدفق قوة جديدة فيهم.
"اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خكاياه غفرت له. ومن امسكتم عليهم الغفران يرزحون تحت ثقل خطاياهم، بما انهم رفضوا ان يغيروا حياتهم.

تلميذي عمواس



عرفاه عند كسر الخبز
(لو24: 13- 35)
في مساء نفس اليوم كان اثنان من تلاميذ يسوع راجعين الى عمواس، قرية ريفية صغيرة تقع على مسافة ساعتين من اورشليم.
بينما كانا يتحدثان بلا كلفة ويتبادلان انطباعاتهما، لحقهما شخص على الطريق، هو يسوع. اخذ يمشي على مقربة منهما دون ان يتعرفا عليه..
لان يسوع ينتسب الى عالم جديد، فحتى يتعرف عليه شخص لابد من ان يتجاوز ذاته.
وشرع المسافر الغريب في التحدث معهما.
"ما هذا الحديث الذي تخوضان فيه بينما تسيران؟ .. اني اراكما مكتئبين"
عند هذا السؤال وقفا:
"فاجابه احدهما واسمه كليوباس: كيف يمكنك ان تطرح علينا مثل هذا السؤال؟ انت الحاج الوحيد في اورشليم الذي لا يعلم ما حدث فيها منذ بضعة ايام"
اه، ماذا
ما حدث ليسوع الناصري! .. الذي كان رجلا عظيما، نبيا حقق علنا امورا خارقة ونطق باقوال لا تنسى.. كهنتنا ومحكمتهم باجمعها اسلموه ليحكم عليه بالموت والصلب. اما نحن ، تلاميذه، فكنا نرجو ان يكون هو محرر امتنا اسرائيل. لكن للاسف، فهذا هو اليوم الثالث لتلك الاحداث التي وقعت.
غير ان بضع نسوة من جماعتنا سردن امورا غريبة: فانهن بكرن الى القبر فلم يجدن جسده. فاتين وقلن انهن ابصرن ملائكة تراءت لهن واكدوا انه حي. فذهب بعض اصحابنا الى القبر ليتحققوا ما سمعوا فوجدوا الحال على ما قالت النسوة ولكنهم في الواقع لم يروه.
"كم يصعب عليكما ان تدركا وتؤمنا بكل ما علن عنه الانبياء! الم يتنباوا بوضوح بانه كان يجب على المسيح ان يعاني كل هذه الالام قبل ان يبدا ملكه المجيد؟".
ثم اخذ يسوع يفسر لهما مبتدئا من اول التاريخ كل مقاطع الكتب المقدسة التي تتحدث عنه. وفي عمق قلبيهما استعادا رجاءهما.. لانهما في الواقع لم يتخيلا قط تاويل الكتب المقدسة بطريقة مثل هذه.
ولكن ها هي عمواس، والمسافران قد وصلا الى قريتهما. اظهر لهما يسوع انه ماض الى مكان بعيد، فتوسلا اليه ان يبقى معهما:
"امكث معنا، فقد حان المساء ومال النهار"
ولبى يسوع طلبهما.
جلسوا للطعام وها هو المسافر يتصدر المائدة: اخذ الخبز وتلى صلاة البركة ثم كسره وناولهما. عند سماع كلماته ورؤية حركته انفتحت اعينهما وعرفاه..
ولكن.. يا يسوع..
.. كان يسوع قد توارى عنهما. في حياته الجديدة لا يخضع يسوع قط للزمان والمكان..
تبادل التلميذان النظرات منذهلين ولكن سرعان ما استعادا وعيهما:
من الاكيد انه هو .. قد قام حقا .. اه! ها هو النصر! .. كان علينا ان نتوقع ذلك من قبل.. اما كان قلبنا متقدا في صدرنا حين حدثنا في الطريق وفسر لنا الكتب!
عاش هذان التلميذان منذ لحظة المقابلةة مع يسوع في مشاركة: في "كسر الخبز" .
قاما من ساعتهما تاركين المائدة وخرجا سريعا من المنزل متخذين الطريق الى اورشليم ليعلنا الخبر "يسوع حي!"
فوجدا التلاميذ في حالة حماس وصرخ هؤلاء لهما:
"اعرفا الخبر! .. يسوع قام حقا وظهر لبطرس"
"ولنا ايضا".

كنيسة المسيح الكارزة

كنيسة المسيح
(اع2: 1-13 و 42)
قبل ان يتركهم وعدهم يسوع ان يحل عليهم الروح. في تاملاتهم تذكروا انه خلال تاريخ شعبهم حل الروح القدس على رعاة وملوك وانبياء. غير ان جميع هؤلاء ما كان بمقدورهم ان يتمموا ما اوكل اليهم من مهام ان لم تستولى عليهم قوة روح الله وتملاهم نشاطا. الان يبقى الرسل والتلاميذ في هدوء داخل الغرفة العالية، وتروق لهم ذكريات تلك الايام الجميلة التي قاموا بها مع يسوع .. ولكنهم لا يرغبون ان يظهروا انفسهم علنا، فابواب منزلهم مغلقة، وهم الان معرضون بموجب خوفهم ان يكونوا رابطة رفاق قدامى ليس الا.
وحل يوم العنصرة.
انطلق هذا الصباح بغتة دوي كريح عاصفة، فملا المنزل وزعزعه. فظهرت لتلاميذ يسوع المجتمعين مع امه السنة كانها من نار قد انقسمت، فوقف على كل منهم لسان، وكان هذا علامة على دخول الله فيهم.
وما حدث كان غريبا وعجيبا للغاية وطانها ريح شديدة تبدد كل الشكوك وتدفعهم الى غمر البحر لتجعل الكلام عن المسيح ممكنا.. كانها قطع ملتهبة والسنة نار لمست راس الرسل لتقول لهم: اذهبوا وتكلموا عن يسوع بحماس كشعلة نار.
لكن، عند صباح العنصرة، حضر حجاج من كل اقاليم الامبراطورية الرومانية. ولا شك انهم هنا لاتمام مسيرة دينية لانهم يبحثون عن الله وينتظرون المسيح وانفسهم مستعدة. في هذه الساعة المبكرة يتدفقون في اتجاه الهيكل ليشتركوا في المراسم الكبيرة. تملا الشوارع اصواتهم وصيحاتهم المختلفة، وتصل في ترددها الى اذان التلاميذ المجتمعين في غرفتهم العليا، المغلقة الابواب.
لكن ماذا يعمل هنا هؤلاء التلاميذ؟ .. هل هم مجتمعين لانفسهم ولذكرياتهم.. ام ليشهدوا ليسوع امام جميع هؤلاء الناس الاتين من كل انحاء العالم؟ .. بقوة الروح تحصل الصدمة بين التلاميذ وهذا الجمهور الذي يتوق الى الله، فيدركون البشرى السارة. ها هم يفتحون الابواب المغلقة على مصراعيها ويندفعون الى الخارج يوقفون المارة ويعلنون لهم بشرى الخلاص.
يعبر بطرس عن افكاره باسم الاخرين:
"من نحن؟ .. تلاميذ يسوع الناصري"
ويشرع في تلخي قصة يسوع، وموته وقيامته. ويبرهن لهم انه حقا المسيح. الذي ينتظره الجميع، والمخلص الوحيد الذي ليس باحد غيره الخلاص.
واذ يحدث حادث غير منتظر: يتكلم بطرس والاخرون، والمدهش ان كل واحد يفهمهم كانهم يتكلمون لغته الخاصة. وقصارى القول، تنشا لغة مشتركة، يفهم الجميع بعضهم بعضا.. يسود في الجمهور جو خارق. الكل يقبلون بعضهم ووجوهم تنفجر فرحا. ها هو عالم جديد، واخاء شامل.
في ذلك اليوم تنجذب عدد كبير من حجاج العنصرة وامنوت وقبلوا العماد وانضموا الى تلاميذ يسوع.. وهذه بداية كنيسة الكسيحيين.
وهذا مستمر منذ 2000 عام.

المسيح قام



لماذا تطلبن الحي مع الاموات؟
(يو20: 1-18 ومر16: 1-5)
في غداة يوم الاحد، انطلقت المجدلية نحو القبر. ترافقها مريم ام يعقوب وسالومة. ان لم يجئن يوم السبت فلأن مراعاة الراحة يوم السبت لم تسمح بقطع مسافة كويلة بعض الشئ. وكان يحملن معهن اطياب لتكفين جسد يسوع.
وكن يتساءلن في الطريق عن مسألة الحجر الذي يغلق مدخل القبر. هل يجدن في جوار القبر رجلا قويا وخدوما يساعدهن على دحرجة الحجر؟
لكن عند وصولهن .. يا للدهشة! .. كان الحجر قد ازيل عن القبر.. والقبر مفتوحا .. فالقين نظرة الى الداخل .. لا يوجد جسد في القبر.
فاضطربت المجدلية لظنها ان اناسا تجاسروا على انتهاك حرمة القبر وجسد يسوع، ولما كانت انشط النساء اللواتي كن يتبعن يسوع، حثت السير الى بطرس ويوحنا واقنعتهما بان يذهبا ويتحقق الامر بنفسيهما.
فخرجا الى القبر يسرعان السير، وكان يوحنا اصغر سنا من بطرس واخف حركة، فوصل قبله. وكان قلبه يخفق بقوة عظيمة لكنه لم يجرؤ على الدخول. فانتظر بطرس الذي وصل بدوره الى القبر يلهث ودخله.
ماذا اكتشف كلاهما؟ القبر شاغر، والجسد غائب. بقيت الاكفان والشرائك، ولكنها فارغة ايضا. بداهة، لم تحصل سرقة للجسد فلا اثر لاضطراب في القبر. والاكفان التي استعملت لدفن يسوع قد بقيت في وضعها ولم يغير ترتيبها، الا انها هابطة، لان لا جسد بداخلها. ولو كان اناس قد جاءوا ليخطفوا الجثة سرا لحملوها مثلما كانت ملفوفة في الاكفان..
ترك بطرس القبر.. ولكن يوحنا كان اكثر بصيرة، فكانه شعر مسبقا بما تم. معروف ان الحب يعطي احيانا حدة حدس كبيرة. امام حالة الاكفان فهم يوحنا ما حصل لانه تذكر ما اعلنه يسوع من انه يجب ان يقوم من بين الاموات. فراى وامن.
ورجعت مريم المجدلية الى القبر ، نظرت مرة اخرى الى الداخل ثم خرجت وشرعت تهيم وهي تبكي في وسط خمائل البستان. وكان رجل واقفا هناك. لكنها لم تحفل به: انها ترى الاشخاص والاشياء خلال دموعها مأن الجميع في ضباب. فحسبت الرجل الواقف حارس البستان ومسئولا عن حراسة المدفن.
فسألها الرجل:
"ما يبكبك وعم تبحثين؟"
قالت المجدلية في نفسها: بما ان هذا الرجل يسألني عم ابحث، فلابد ان يكون على علم بالامر، وارتابت فيه: لعل هذا الحارس قد اعتبر تدنيسا ان يدفن هنا شخص غريب في قبر سيده.. فعسى ان يكون هو الذي نقل جسد يسوع من هنا بواجب امانته نحو سيده او مبالغة في بذل نشاطه!
"اه، اتوسل اليم، اذا كنت قد اخذتهفقل لي اين وضعته لاخذه"
فاجابها بكلمة واحدة.. ولكن بلهجة الصداقة التي تنفذ الى القبر مباشرة:
"مريم!" لماذا تطلبن الحي بين الاموات؟"
وكان هو يسوع القائم من بين الاموات.
في الحال عرفته المجدلية: "يا معلم!".
وارادت ان تمسك رجليه لتقبلهما. لكنه قال لها:
"لا تمسكيني هكذا، لاني صاعد الى ابي الذي في السموات. ولكن اذهبي واعلني هذا الخبر الى جميع رفاقي".
بطريقة الكلام هذه، يريد يسوع ان يقول انه ينتسب الى عالم اخر. فهو انتقل من وضع ارضي الى وضع عالم الله. هو يسوع ذاته ولكنه مختلف كل الاختلاف. ان طاقة الالوهية تجليه. تخطئ المجدلية بظنها انه سيبقى على الارض كما كان فيما مضى. ويظهر يسوع لها خطأها، لان علاقات هذا العالم العادية لن يكون مسموحا بها مع يسوع بعد، اي ان نراه ونلمسه ونتحدث معه ونقبله. كل ذلك غير ممكن منذ الان وسوف ينتهي عن قريب.. ولكن لن يترك يسوع ذويه: سوف يكون دائما معهم، وسيكون حضوره الذي لا يزال حقيقيا، حضورا من عالم مختلف. وعن قريب سيفهم تلاميذه ذلك.
فاسرعت المجدلية قدر طاقتها لتنبه التلاميذ. ووجدتهم في انهيار وحداد فصرخت فيهم:
"رايت يسوع حيا .. قد قام!"
لكنهم هزوا راسهم غير مصدقين وظنوا ان بها هلوسة وشبه نون:
"ان حبك الفائق يضلك! .. هيا استرجعي وعيك وتاملي، ما تقولينه محال"
لا غبار على التلاميذ .. انه من الصعب جدا ان يؤمنوا بالقيامة.
لا يزال الحدث سريا: لم يتمكنوا من ان يروه ولا يسجلوه ولا يصوروه على شريط سينمائي وحدث دون شهود. انه حادث من عالم الله ويخفى علينا اذن. لكنه حادث حقيقي في تاريخ الانسانية. لم يكن لاي حادث اخر نفس وقع القيامة في حياة العالم.
يعطي انجيل متى وصفا شعريا في سرد احداث القيامة ليظهر ان له بعدا كونيا. الذي ينقض من السماء على القبر، هو ملاك الله ذاته، وذاك عمل الله وهو يقيم ابنه من بين الاموات. على الحجر المدحرج امام القبر المفتوح جلس الملاك منتصرا ليشير الى الظفر على الموت الذي عجز عن الاحتفاظ بضحيته ويمثل الحراس اعداء يسوع وغير المؤمنين: ازاء الحياة التى هي يسوع القائم، يعتبر الحراث امواتا. وها هو تعليم هذا المقطع ن الانجيل.
تتكلم مقاطع اخرى عن الملائكة في القبر. لا شك من وجود الملائكة، ولكنهم غالبا ما يعتبرون في اسفار الكتب المقدسة تعبيرا كتابيا تعطى بموجبه تعاليم دينية او تكلف رسالة من لدن الله.
ان القبر المقدس هو اشهر قبر في العالم. تحارب الشعوب مدة اجيال ليحصلوا عليه. اقتطعت المغارة من التل وبنيت فوقها كنيسة كبيرة حوالي سنة 320م على يد الامبراطور قسطنطين. وهدم الفرس الكنيسة ودكوا المغارة. فلم يبق اليوم الا ارض هذه المغارة المقدسة التي يمكن تكريمها في صرح صغير تحت قبة كنيسة رئيسية جديدة بنيت في القرن الثاني عشر. ويذهب هناك للحج مسيحيون من العالم اجمع.

عمانوئيل




عمانوئيل او الله معنا الى منهى الازمنة
(مت28: 16-20..)
بعد بضعة ايام تلاقى تلاميذ يسوع في الجليل . بغتة تقدم اليهم وعرفه اغلبهم، ولكن بعضهم شكوا وتمردوا.
يفهمهم يسوع انه حانت اللحظة الحاسمة ويكلفهم برسالة مهمة.
"اعطيت كل سلطان في السماء والارض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم..
اخيرا يتمم يسوع اعلانه بان حضوره غير المنظور لكنه محسوس وفعال:
انا معكم يوما بعد يوم الى منهى الازمنة.
يطابق اخر حياته بدايتها، حيث اعلن ان الطفل الذي يولد من مريم يكون اسمه "عمانوئيل" اي "الله معنا".
ينتهي تاريخ يسوع في فلسطين وينفتح على تاريخ اخر: تاريخ حضوره غير المنظور في كل انحاء العالم.. لن تكون الكنيسة مؤسسة ادارية ولكنها بالاولى اخوة في المسيح، جميعهم متحدين بالرب يسوع.
بارك تلاميذه المجتمعين للمرة الاخيرة. وها هو متجها للعلاء اختفى ع ابصارهم.
وهم يحملقون ليستمروا في رؤيته ولكنهم سمعوا رجلين يقولان لهم:
"ما لكم قائمين تنظرون الى الفضاء؟ فيسوع الذي رفع عنكم سيعود كما رايتموه ذاهبا. اما بالنسبة لكم قد حان الوقت للشروع في العمل لنقل الخبر السار.

الجمعة، 4 يناير 2019

هل يجب ان ندفع الجزية لمن يحتل بلادنا؟


هل يجب ان ندفع الجزية لمن يحتل بلادنا؟ (لو20 و مر12)

في الايام التي تلت الانقلاب المهيب الذي حققه يسوع بطرد باعة الهيكل، استشاط كهنة اليهود غضبا لرؤية امتيازاتهم واهم مصدر دخلهم قد اعيد الجدل حولها. فاخذوا يبحثون في وسيلة يعجزونه بها عن الجواب علنا ليجعلوه غير مقنع او ليتخلصوا منه. لكن حتى الان، فضح يسوع مكايدهم ببساطة وسهولة مذهلتين، لامر الذي اثار كل مرة السرور في الشعب.

الحيلة العظمى هي ان يستدرجوا يسوع ليتفوه بكلمة مثيرة للشبهة امام الشهود، وهكذا يبرهنوا للشعب ان هذا المضلل يغشهم، او ان هذه الكلمة تسمح ان يسلم يسوع للرومان كثوري. وهذه الحيلة هي الوسيلة الوحيدة للنجاح بدون ان تكشف مؤامرة الاحبار لاعين الشعب. لكن كيف يجذبون يسوع الى الميدان السياسي؟ … تناقشوا طويلا فيما بينهم في هذه المسألة. واخيرا لم يحصل الاتفاق بينهم فحسب، بال وجدوا ايض حلفاء لهم بين اصدقاء الملك هيرودس الذي يحكم اقليم الجليل تحت اشراف الرومان. ومعروف ان هؤلاء متعاونون مع جيوش الاحتلال.

فذهبوا كلهم لملاقاة يسوع. وبداوا حديثهم بمداهنة سخيفة، املين من ورائها، ان يحوزوا على جواب منه بطريقة اكيدة.

“يا معلم، عهدناك صريحا، صادقا، لا تبالي احدا، لانك لا تحابي الوجوه، – ليس لك الا هم واحد، وهذا يشرفك، انك تهدي الناس الى سبيل الله هداية صدق. اعطنا رايك عن هذا السؤال: ما هو واجبنا؟ بالنسبة الى لجزية؟ ايجب دفعها ام رفضها؟“

انه موضوع هام ، لان الجزية تدفع للرومان الذين يحتلون البلد. فلو اجاب “نعم” لخان القضية القومية، وبالنسبة ليسوع الذين يهتفون له الهتاف اللائق بالمسيح، لهدم كل شعبيته، لان لشعب لا يقبل محررا يقول بدفع الجزية للمحتل… ومن جهة اخرى لو اجاب “لا” لاعلن الحرب ضد روما. وعليه ، يا له من تهام خطير لدى بيلاطس.. على كل حال ، ان يسوع مجبر على ان يتخذ موقفا، وبالتالي ان يخاطر بسمعته. لا مهرب ممكن. كانت هذه الحيلة او هذا التحدي هو المصيدة التي دبروها، فهل لاحبار وحلفاء الملك هيرودس يان يتذوقوا انتصارهم.

لا يزال يسوع هادئ. يعرف نياتهم الغادرة، ويفطن لرياء اعدائه تحت مدائحهم الماكرة.

“ايها المراؤون، تظنون اني ساقع في شراككم! .. اروني اذن عملة الجزية حتى اتطلع اليها“.

في الحال اخرج احدهم دينارا من صرته، لابد في الواقع من دفع الجزية بمال جيوش الاحتلال، الذي يقتنيها بهمة الصيارف.



يتجنب يسوع لمس القطعة ويسأل:

“من ترون صورته على هذه القطعة وما هو المكتوب؟“

“الصورة والكتابة لقيصر“. هو رأس الامبراطور طيباريوس. والكتابة “الى ابن قيصر اغسطس الالهي“.

يا لطياشتهم! .. حال اخراج هذه القطعة من صرتهم، كانوا خاسرين، لانه اظهروا انه بالنسبة الى وضعهم الشخصي قد حلوا المسالة: فهم يدفعون الجزية. واكثر من ذلك، يدفعونها بقطعة وثنية من المال. انهم يخضعون لامبراطور يدّعى الالوهية، هم الذي يصرحون بانتمائهم الى الله الواحد، ويفخرون برضا كل من يؤله الامبراطور او الدولة.

يجيبهم يسوع:

“اعطوا اذن لقيصر ما لقيصر ولله ما لله“.

هذه القطعة التي تستعمل لدفع الجزية فليرجوعوها اذن لصاحبها، لقيصر روما بما انهم قبلوها كعملة للمداولة وهي في يدهم!

ذهب المعارضون خائبين مقطبي الوجوه.

الخميس، 3 يناير 2019

المفاجأة الاخيرة


المناجاة الاخيرة
(يو15: 1-14)
على ضوء مصابيح الزيت المعلقة في السقف بعد انتهاء الفصح. اراد يسوع ان يقدم توصياته الاخيرة الى تلاميذه:
"المهم ان تظلوا في اتحاد معي. سوف الجأ الى مقارنة: انا كالكرمة التي تحمل العصارة وتعطي الحياة، وانتم كالاغصان. ابي الكرام عندما يجد غصنا لا يثمر يقطعه ولكن الغصن الذي يراه يثمر يقضبه، يطرح منه الاقسام غير النافعة التي تمتص الكثير من العصارة النافعة، حتى يجعل الاثمار اكثر جمالا ونضرة بالشمس. انتم الان مقضبون مطهرون من ميولكم السيئة، لانكم علقتم اهميةعلى تعليمي. فاستمروا في اتحادكم بي كما انا متحدا بالاب. ان الغصن لا يثمر ان لم يبق متحدا بالكرمة. ان انفصلتم عني لا يمكنكم ان تعملوا شيئا. الغصن المقطوع ييبس وانذاك يعمل الكرام ربطة عيدان يابسة ويلقيها في النار. يتعلق الامر برغبة ابي ان تثمروا ثمرا كثيرا.
عيشوا اذن متحدين كل الاتحاد فيّ. في محبتي، عندئذ سوف تفيضون فرحا".
اني احببتكم بنفس الحب الذي احبني به ابي . هذه وصيتي وصية جديدة ان يكون بينكم الحب ذاته. حب بدون حد. بهذا يعر الناس انكم حقا تلاميذي"
والان يا اصدقائي هيا ننطلق.

هذا هو جسدي.. هذا هو دمي


هذا الخبز هو جسدي.. هذه الكأس هي دمي
(لو22: 19، 20 و مر14: 22، 23 و مت26: 26، 27)
تبدأ حينذاك الوجبة المهمة، بالحمل الفصحي والخبز بدون خمير. كان من واجب رب الاسرة او المسئول عن المائدة ان يذكر معنى هذه الوجبة ومدلول الاطعمة فيها. لانه في الواقع لابد من ان تعاش من جديد، في قرارة النفس، الوجبة التي اخذها الاجداد في عجلة في ليلة التحرير المشهورة. وتسمى "هجادة" كانوا يحثون الاطفال على ان يطرحوا اسئلة. كان هذا الطقس ضروريا. وهو ما نسميه تعليما دينيا يقوم به الاباء لابنائهم.
ويسوع، في تلك اللحظة، يقوم هو ايضا ب "هجادة"لتلاميذه. ليس لدينا نص هذا التعليم ولكن يمكننا ان نفكر بصواب بانه يهيئهم لادراك ما سوف ياتي. المفروض على تلميذ المسيح ان يحيا تحرير الفصح بمعنى انه تحرير من عبودية الخطية، التي هي اسوا كل العبوديات ومصدرها.. وحمل الفصح هو صورةرسول الله او عبد الرب الذي يحمل خطايا البشر.. الخمير القديم الذي يطرح خارج المنازل هو الشر الذي يختمر في القلوب بينما العجين الجديد هو رمز البشرية المجددة المخلوقة ثانية..
وكان هذا القسم وهو اهم قسم محاطا ببركتين وبعروض احتفالية. ان تقام بركة الخبز الذي يقسمه رب الاسرة ويوزعه على كل المدعوين. وفي نهاية الوجبة يقام بركة الشكر على الكأس الذي يتداول بينهم. كانت هاتان البركتين وحركات التوزيع تقيم وحدة بين المشتركين في المائدة. وفي الواقع كان هؤلاء يشتركون بقولهم "امين" والتي تعني انا اوافق. وكانت هذه الوجبات تحافظ على رجاء الوجبات القادمة التي يتراسها المسيح الذي كانوا يتوقعون مجيئه. وهكذا من السهل ان تتحول وحدة المائدة هذه الى وحدة في الصلاة.
يجدر بنا ان نجد هنا ما نسميه تاسيس الافخارستيا.
اخذ يسوع خبزا وتلا عليه البركة وعندئذ كسر واقتطع منه قطعة لكل واحد ووزعها. ولكنه اضاف هذه الكلمات المؤثرة للغاية التي تعطي معنى جديدا للخبز المقسم:
"خذوا كلوا: هذا الخبز هو جسدي الذي يبذل من اجلكم.. افعلوا هذا لذكري"في نهاية الوجبة، قام يسوع من جديد، كرئيس للمائدة، من تمدده على ديوان، واخذ كاس الخمر الاخيرة ورفعها قليلا فوق المنضدة وقال، وهو يتلو صلاة الشكر ويجيب الرسل "امين.
وعندئذ يعطي الكاس للتداول دون ان يشرب هو منهت وهو يفوه بهذه الكلمات المؤثرة للغاية:
"هذه الخمر هي دمي الذي يراق من اجل جماعة كثيرة من البشر كنتيجة للعهد الجديد بين الل والبلشرية. ستصنعون هذا لذكري".
ويسوع بصفته رئيس المائدة، ينشد القسم الثاني من نشيد التسبيح "سبحوا لله لان حبه الى الابد".
هكذا يجعل يسوع من الوجبة الفصحية وجبة وداعه ويعطيها معنى جديد. لانه يحيا موته في حضرة تلاميذه. ويمكن القول انه من الان في حالة ذبيحة: ذهب يهوذا ليسلمه، وجميع من اشتركوا في القبض عليه وتعذيبه هم في اماكنهم مصممون على العمل. ومن خلالهم كل الشر وكل خطايا البشر هي التي تقتل ابن الله. ويسوع الذي يقبل ان يحمل كل خطايا البشر وعقابها هو الحمل الفصحي الحقيقي.
واخيرا يقول يسوع "ستصنعون هذا لذكري" .. سوف يفهمون فيما بعد ان هذا الحدث الذي عاشوه لابد من ان يعيش من جديد ودائما. سوف يسمى خدمة كسر الخبز او العشاء الرباني.

الخائن على المائدة

الخائن جالس على المائدة بين المدعوين
(يو13: 21-30 و مت26: 20-25)
كانت مقدمة وجبة الفصح لابد ان تنقضي في جو توتر وقلق تعبر عنه الحركات والتصرفات والاطعمة. فسلطة الاعشاب المرة، الممزوجة بالصلصة ذات اللون الاحمر، مخللة، وبكؤوس ماء مالح، كانت تذكر بالعبودية في مصر، والدموع التي ذرفها الشعب. في صمت خشوعي كان المدعوون يغمسون لقم في الصلصة ويمضغونها ببطء، متفكرين ومتالمين في ذكرى مرارة سنوات العبودية التي عاشوها في اشخاص اجدادهم الئين استعبدوا في مصر.
بدأ يسوع وكانه في حالة قلق.. تقلص وججه تحت تاثير حزن عميق. انه يفكر في الخائن.. خاصة وان وجوده هنا بجانبه قريبا منه سبب الما لا يطاق له. ولا يمكنه ان يمتنع عن القول باسف:
واسفاه ! الحق اقول لكم: ان واحدا منكك سيسلمني.. نعم اني اؤكد: ان واحدا منكم انتم الذين تاكلون معي، واحدا منكم الذي يتناول مثلي من الطعام على هذه المائدة (كل واحد ياخذ حصته من الطبق المشترك) .. لا اتكلم عليكم جميعا/ اني اعرفكم كلكم، ولكن ذلك ليتك ما في الكتب المقدسة "حتى الصديق الذي كنت اثق به والذي ياكل معي انقلب عليّ".
سقط اعلان مثل هذا كتعنيف ثلجي. فتوقف الجميع عن الاكل مذهولين: وعم الانهيار، استولى على التلاميذ حزن شديد وتبادلوا النظرات وتساءلوا:
"على من يتكلم؟ .. من هو المجرم الذي يجرؤ على هذا..؟
وتابع يسوع:
فان ابن الانسان ماض الى الموت كما هو مكتوب، ولكن كم هو مؤسف للذي يسلمه. فلو لم يولد لكان خيرا له".
لا يتمنى يسوع الشر فهو الذي طلب ان نحب اعداءنا يكشف بكابة عن الذي صمم على ان يسلمه ويوجه اليه دعوة اخيرة.
كما ان الاثنى عشر يعلمون ان كلمة من يسوع يقون فيها اكثر من اليقين الذين هم عليه من انفسهم. طرح كل واحد منهم السؤال على يسوع:
"امل الا اكون انا الذي تقصده بقولك".
ويهوذا يقول المثل لكي لا يفضح نفسه بسكوته. (ويا له من تصرف خسيس!.. وعليه يجيبه يسوع بصوت خافت برقة تامة حتى لا يسمعه الا هو:
"لم احملك على القول: انت الذي قلت".
ومع ذلك لا يزال جميعهم يحدقون بعضهم الى بعض بفزع: يوجد خائن بينهم!.. في فيض الاسئلة والاحتجاجات الساخطة، لم يتمكن بطرس ان يكشف الحقيقة. التي كان يرغب في معرفتها مهما كلفه الامر. لعل في امكانه ان يوقف المؤامرة قبل حدوثها . فاشار الى يوحنا "حاول ان تساله من يعني بقوله".
ويوحنا متمددا في الغالب بجانب يسوع الايمن، ليس عليه الا ان يميل برأسه على صدر يسوع ويحصل منه على سر. فتجاسر على طرح السؤال ليعرف السر:"يا يسوع قل لي من هو".
واستعد يسوع لان يبوح بالسر لتلميذه المحبوب، "هو الذي اناوله اللقمة التي اغمسها في الصلصة".
بحسب العادات الشرقيةاعتاد رئيس المائدة الذي يريد ان يكرم احد مدعويه، ان يغمس لقمة في الصلصة ويضعها في فمه. وبالنسبة ليهوذا كانت هذه الحركة حركة رقة شعور ودعوة اخيرة. ونفهم هنا قيمة كل انسان .. حتى يتجاوب يسوع هكذا معه الى اقصى حد ن الحب.
قبل يهوذا القمة، لكنه انطوى على نفسه في قلبه المظلم، بدا كفاح بين يسوع والشيطان بشان نفس ولكن يهوذا مخطئا في استعمال حريته يستسلم للايحاء الشيطاني. ويمكننا ان نقول انه في تلك اللحظة دخل الشيطان جديا في قلب يهوذا.
احس يسوع بنتيجة هذه الماساة. وكانت كلمته الاخيرة كلمة الصديق الذي امتلات نفسه بالاسى. فالتفت الى يهوذا "ارجوك! افعل ما قصدت ان تفعله ولا تبطئ".
فلم يفهم احد هذا التلميح ولا المقصود به. لان يهوذا كان مؤتمنا على صندوق المال، وقد يظن ان كل واحد منهم ان يسوع يرسله لدفع ثمن الوجبة او لاعطاء الفقراء شيئا. وكان من التقليد الا يحرم اي فقير في ذلك المساء من فرحة وجبة الفصح السنوية ولا من الاربعة كؤوس الخمر المعتادة.
خرج يهوذا من وقته .. راوه يفتح الباب .. ويتوارى في الظلام.

هل ينقض الهيكل ثم يبنى في ٣ ايام؟

هل ينقض الهيكل ويقام في 3 ايام؟
(يو2: 18-22)
عندما امكن الاحبار المسئولين عن الهيكل اكتشاف يسوع في الازدحام، صاحوا به ثائرين:
"يا هذا! ماذا تعتقد في نفسك انك هو؟ .. انت الذي تاتي لتحدث هذا الاضطراب هنا وتقلب الاوضاع القائمة؟ من اعطاك السلطة لتعمل ذلك؟ ..
"اتريدن برهانا؟ اذن.. انقضوا هذا الهيكل وانا اتكفل باعادة بنائه في ثلاثة ايام".
انت تمزح! هذا الهيكل استغرق بناؤه ستا واربعين سنة، وانت تقدر على اقامته في ثلاثة ايام؟!..
يواجهون يسوع بلهجة ساخرة، مثلما يهزا احد بردود شخص عديم الذكاء. لكنهم في قرارة انفسهم ادركوا جيدا ان يسوع يطرح عليهم – بكلام غامض لغزا لا يمكنهم حل رموزه – مسالى خطيرة تعيد كل شئ الى بساط البحث . يرون الان انهم لم يصلوا الى نتيجة مع يسوع ، ولذا لا يلحون في السؤال، لان الجمهور حولهم يمنح كل تعاطفه ليسوع. 

في الواقع الهيكل الذي كان يقصده يسوع هو جسده، هيكل الله الحقيقي، وحضوره في وسط البشر هو قدس الاقداس. وكانت سلطات البلد سوف تنقض هذا الجسد بقتل يسوع. غير انه، في ثالث يوم، سوف يقوم حيا.

طرد الباعة من الهيكل

طرد الباعة من الهيكل
(مر11: 15-18)
في الغد رجع يسوع الى الهيكل
سوف ينفلت عن قريب مشهد فجائي في الساحة الكبيرة التي تمتد اكثر من 200 متر مربع وتحيط بقدس الاقداس. ان لم تكن هذه الساحة قدس الاقداس بالذات، الا انها حينذاك الهيكل، اي مكان الصلاة. يدخلونها من تسعة ابواب محصنة ومن ممرات جانبية. كانت مفتوحة للجميع، لكن في الداخل، يوجد فناء للنساء، واخر للرجال، واخيرا فناء ثالث لا يدخله الى الكهنة وفيه تقدم الذبائح حول المذبح الكبير.
دخل يسوع الساحة التي تحيط التي تحيط بها ممرات ذات اعمدة بصحبة تلاميذه والجمع، اتى ليرفع صلاته الى ابيه السماوي في هذا المكان المخصص للعبادة لجمع اليهود الساكنين في فلسطين والكشتتين في العالم.
ولكن اي مشهد يتراءى لعينيه؟ .. قد تحول الفناء الى سوق: يتزاحم فيه الناس وتتعالى الصيحات من الباعة والمشترين. تدخل اليه بغتة قطعان من الخراف. فتضرب الناس الحيوانات التي تتمدد على البلاط تعبة ظماى. يمتدح التجار سلعهم، جاثمين على اطداس من اقفاص الحمام: هم باعة حمام ويمام، يجتذبون الزبائن الشعبيين: الذين لا يقدرون على تقديم بهيمة او خروفا فكانوا يكتفون بذبح فرخي حمام – تحت صفوف الاعمدة. جلس على الارض اصحاب المصارف امام طاولات صغيرة تتكدس عليها اكوام عملات من ذهب وفضة ونحاس. واصحاب هذه العملات يتبادلون النقود بفائدة ليسهلوا التجارة ويسمحوا ليهود روما واليونان ومصر ان يقتنوا النقود المفروضة لدفع الفريضة المالية الدينية للهيكل. وينتهزون فرصة ان العملات الاجنبية لا تقبل في خزانة الهيكل لان الصور والكتابات التي عليها وثنية – يسود هنا هرج ومرج. والريفيون غارقون في الاوحال، ينصبّون في فيض من الثرثرة قبل ما يحلون صررهم. اما الاجانب فعندما يلاحظون ان الناس يستغلونهم، يهددون التجار الطماعين بتدخل شرطة الهيكل.
اين يجد المؤمن ركنا هادئا في غوغاء مثل هذه ليختلي بنفسه ويصلي بهدوء؟ وكيف يقدم للرب بقلب مسرور ذبائح مساوم فيها بهذا الحماس؟ .. ولكن كل واحد متعجل ليرى دوره قد اتي ليقدم للكاهن الذبيحة التي اختارها.
اما فناء المعبد – فكان الى حد بعيد يشابه المجزر، يسيل الدم فيه بغزارة. والمذبح الضخم يحرق في اليوم واحد مئات الذبائح. تعلو رائحة اللحم المشوي من هذا الاتون وتختلط برائحة الدم الساخن وبرائحة روث القطعان في الساحة الكبيرة – بين كل الكهنة الكثيرين يوجد حقا اشخاص متفانون في خدمة الله. هؤلاء يقومون بواجبهم بروحة دينية عميقة. لكن يوجد للاسف ايضا، خاصة ف طبقة الاشراف الدينيين العليا، المهتمون بتطديس الارباح اكثر من التحلي بمشاعر العبادة والندم الذي ترمز اليه هذه التقدمات.
على مراى من هذا السوق وهذه الضوضاء بدا قلب يسوع يخفق بسخط مقدس: ماذا؟ كل هذا الفساد في الهيكل! .. في بيت ابيه!.. يقوم بتدخل صاخب، على طريقة الانبياء القدامى، ليضع حدا لاستغلال هذا النفاق الشعبي.
تعثرت رجلاه في حبل بقر، فالتقطه وجعل منه سوطا وشرع في طرد البائعة صائحا:
"ابتعدوا اخرجوا من هنا. الا تهمكم كلمة الكتب المقدس؟..
فالله يقول "بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتم منه وكر لصوص".

هوشعنا


شعب اسرائيل يستقبل ملك السلام
(لو19: 29-45، مر11: 1-11، مت21: 1-11 و 14-16)
في عيد المظال الذي يسمى "سوكوت" ومعناها "اكواخا من الاغصان" يصل حجاج الاقاليم الى اورشليم في قوافل طوبلة. هو العيد الاكثر شعبية في السنةيقام في سبتمبر، في زمن جني الفواكه والعنب. ترتب مسبقا في الهيكل احتفالات كبيرة تسمع فيها صيحات "هوشنا"! وهي دعوات رنانة موجهة الى المسيح المنتظر.
اتت قافلة حجاج مهمة من الجليل، ومرت بضياع بيت فاجي والتي سميت بهذا الاسم لانها مجورة في ثنية ارض ومخفية في اشجار التين. كما عبرت على بيت عنيا، قبل ان تنفذ الى جبل الزيتون شرقا وتطل على اورشليم.
واذ هي تقابل يسوع وتلاميذه الاتين الى العيد. لان يسوع يحب الاعياد التي تجمع الجماهير، وتزيل الحواجز بين الناس وتجعلهم يتحدون في جو العيد.
فاعترى الجماهير حماس شديد: ان حجاج الجليل فخورون الى حد كبير بنبيهم يسوع، الذي من اقليمهم، وقد صنع معجزات عديدة واظهر بوضوح تام انه المرسل من الله. حتى انهم مستعدون الا يتركوا للانفلات اية فرصة ليتظاهروا لصالحه. بينما يشيعونه بمراسم النصر، يفكر الاكثر تحمسا بينهم في دخوله اورشليم بصورة تلفت انتباه الشعب. وبهتافهم له يريدون ان يظهروا انهم يعترفون بانه المسيح المنتظر.
ولا يتهرب يسوع من هذا التظاهر الشعبي: بل يقبل الاعلان بالهتاف انه الاتي باسم الرب. الا انه يتصرف بطريقة، تعلن للناس انه هو فعلا المسيح! لكن ليس كما يتصوره الشعب، الذي لا يزال يحلم بغاز وقائد حربي يطرد جيوش الاحتلال الروماني، ويجعل من الامة اليهودية الامة الاولى في العالم. ولهذا السبب لن يدخل اورشليم ممتطيا حصانا مهيبا كالادة المتغطرسين، لكنه يختار مطية الشعب البسيطة، الجحش، وهو الكطية التي كان يمتطيها جده داود، الملك في بساطته ووداعته.
ارسب يسوع اثنين من تلاميذه الى قرية بيت فاجي "بيت او بلد التين" وقال لهما:
"اذهبا الى الضيعة وعندما تدخلاها تجدان جحشا مربوطا فحلاه واتيا به".
ها هو الموكب يتحرك: نزل من منحدر جبل الزيتون متجها الى اورشليم.
والجمع كان يخيم هناك على منحدر الجبل اخذا معه سعف النخل واغصانا ن شجر الزيتون. وهكذا كان الموكب يتقدم في غابة متموجة من الخضرة. وعند دخول المدينة، كان الناس يزحمون بعضهم بعضا. يتدافعون لينثروا الازهار والاغصان على الارض، ويلقون بمعاطفهم ذات الالوان الزاهية ليكونوا بساط شرف ويصيحون وبشيرون، ويطلقون الهتافات المعتادة في مراسم عيد المطال: "هوشعنا.. ومعنى الكلمة يا رب خلص" هوشعنا لابن داود.. ويريدون بذلك ان يقولوا ليحي المسيح/ ابن داود.. ليحي المرسل من الله.. مجدا واكراما لله في اعالي السموات".
وتصادف مرور بعض الفريسيين فشاهدوا الموكب.. فصدموا بهذه الهتافات التي اعتبروها غير مناسبة، وصاحوا قائلين ليسوع:
"يا معلم، يحسن بك ان تنتهر تلاميذك".
في الواقع كان هؤلاء يحسدون يسوع على نجاحه. اجابهم يسوع:
"ان سكت هؤلاء لهتفت الحجارة".
وهو بذلك يريد ان يقول: يوجد جو انتظار حضور المرسل من الله وفرح لاستقباله وتحيته، الى حد ان الخلية باجمعها مشبعة بهذا الجو وملتهبة بهذا الفرح.
مل المدينة في هياج.
يتساءل الناس: ما الذي يحدث؟ من كل جهة تنتشر مثل نثار البارود هذه الكلمات: "هذا النبي يسوع من ناصرة الجليل".
والجمع يتزايد بعدد المتسولين وذوي العاهات الذين يكثرون ي ايام العيد هذه، يرافق يسوع وهو صاعد الى الهيكل. عند مروره دنا اليه عميان ومسحاء من الهيكل، فشفاهم. وتضاعفت الحماسة. ولكن حينذاك، انفجر الموقف: دخول الهيكل محظور على ذوي العاهات، بحجة انهم ليسوا في حالة طهارة شرعية: لان المرض يعتبر نتيجة الخطية. والواقع ان ذوي العاهات يدخلون الهيكل في اثر مخلصهم يحملهم الجمع. ولا يقدر حراس الهيكل ان يردوهم. وهم لا يبالون بهذا الحظر..
واسوا من ذلك .. بينما الكبار لهم شئ من الاحترام للمكان المقدس ويكفون عن الهتاف، يقوم الصغار بصراخ حاد: "ليحي يسوع!.. ليحي يوع!.. يريد المسئولين عن الهيكل ان يسكتوهم لكن صبيان اورشليم يحاولون بصورة تهكمية ان يغيظوا هؤلاء الشيوخ الحاقدين. فيعلو صراخهم اكثر فاكثر. فيقول الشيوخ في سخط: ها هو يسوع يستقر الان في الهيكل قلعتنا ويتصرف كسيد. فيقولون ليسوع: "اتسمع هؤلاء الصبيان يصرخون في الهيكل؟ اسكتهم احتراما للمكان المقدس".
"نعم/ اسمعهم بلا شك. لكن قولوا لي اما قراتم في الكتب المقدس هذه العبارة "من السنة الصغار تخرج اجمل الهتافات".
وكان اعداء يسوع في غيظ .. لانه من المحال ان يقبضوا عليه وهو يتمتع بهذه الحظوة لدى الشعب!
اما يسوع فكان يسرح النظر باحثا في انحاء الهيكل ويتفقد كل المتاجر في بيت الله. لكن، لما كان الوقت قد مضى، استاذن الجمع في الذهاب، ثم خرج بسرعة من المدينة والنتحق ببيت اصدقاء له في بيت عنيا وبات مع رفاقه هناك.

التجلي


يسوع يتجلى فوق الجبل
(مت17: 1-9)
يشعر يسوع جيدا ان كلامه عن الصليب لا يستوعبه تلاميذه بسهولة. فالجو المعنوي يثقل في جماعته الصغيرة – قد يحسن اذن ان يرفع من روحها المعنوية. ان يظهر لها ان الله ذاته يصدّق على قول يسوع، ويؤكد ان رسالة يسوع هي حقا التي وصفها وعرضها عليهم.
وعليه اختار يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا. وفي المساء، بينكا كانت القافلة قد حطت في سفح التل لتخيّم، دعا الثلاثة الى رفقته صعودا الى القمة.
واذ خلال الليل استيقظ المحظوظون ووجدوا انفسهم محاطين بسحابة نيّرة. تجلى يسوع امامهم. فظهرت ثيابه متلالئة ناصعة البياض ساطعة كالنور.. هكذا تحقق حلم البشرية القديم الذي عبّرت عنه كل خيالات الشعراء.. والاخصاء الثلاثة اضحوا شهودا لاعلان باهر عن شخصية يسوع والعالم الاتي. وتراءت هنا بالقرب من يسوع شخصيتان بارزتان من العهد القديم: موسى وايليا. كان الاثنان قد حظيا بلقاء مع الله على جبل سيناء.. وان كنا هنا، فليتحدثا مع يسوع عن الميتة التي سيلقاها في اورشليم.. حتى يقنعا الاخصاء الثلاثة.
كنا نود ان نعرف تفاصيل اكثر عن هذه الرؤية. لكن، كيف يكون تعبيرنا للكلام عن التجلي؟ .. الكلام عاجز والكقارنات باهتة الى حد الياس. وهي تماثل موقفنا عندما نريد ان نعبّر لمن ولدوا عكيانا عن جمال العالم الذي نعيش فيه.
في التجلي فهم التلاميذ ان يسوع هو حقا المرسل من الله، واكثر من ذلك، اوحى اليهم كما اوحى الى يوحنا المعمدان عندما كان يعمّد يسوع في الاردن، ان الله حاضر في يسوع، ومثل المعمدان سمعوا هذا الاعلان:
"هذا هو ابني الحبيب، وهو منبع كل سروري.. فله اسمعوا!".
انتهى التجلي وتلاشت الرؤيا. وانكفا الثلاثة بوجوههم الى الارض.. واجالوا الطرف في ما حولهم، فلم يروا الا يسوع وحده .. في هيئته المعتادة.
ان "التجلي" مثلما عاشه التلاميذ الثلاثة، هو نوع من الاختبارات السرية، ونموذج لاوقات الاستنارات التي يخص الله بها بعض الذين يبحثون عنه.. لابد لتلميذ المسيح ان يصص لنفسه اوقاتا للتامل والصلاة التي تنير تفاهة الحياة اليومية. وتشدده في مواجهة الصعوبات اليومية.

تجربة ابليس


تجارب شيطانية
(مت16: 21-23 و 4: 1-11 و لو9: 21-23)
عبر يسوع وتلاميذه السامرة وها هم في اليهودية، سائرين نحو اورشليم.
يرى يسوع ان من الضروري ان ينقذ تلاميذه من تفكيرهم الخاطئ. فهو يعلمهم انه بدلا من الركوض نحو نجاح رائع، فهو يسير نحو الموت.
اجل، نحن صاعدون الى اورشليم، وكل ما تنبأ به الانبياء عني سيتحقق. سوف اقدم الى محكمة الكتبة والكهنة والشيوخ، ويحكم عليّ بالموت. حينذاك سوف يسلمونني الى الرومان الذين سيقتلونني وبعد 3 ايام سوف اقوم من الموت.
غير ان التلاميذ الذين نسوا ما تنبأ عن المسيح سيتألم ويوحنا الذي تكلم عن حمل الله الذي يحمل خطايا العالم.. يجيب بطرس كنائب عن التلاميذ:
لا.. هذا محال! .. لن يحصل امر مثل هذا.. ولن يسمح الله به. بالعكس نحن سائرون نحو النصر.. ارجو منك، يا يسوع دعك من الخور والياس.
فغضب يسوع وصرخ في بطرس:
ابتعد عني يا شيطان! .. ان ابليس هو الذي يلقنك هذه الكلمات. ان الطريق الذي تريد ان تجذبني اليه ليس هو طريق الله بل طريق البشر.
عندما تريدون ان تكرهوني على ان اكون مسيحا يفرض نفسه بالشهرة والقوة تذكرونني بهجوم الشيطان المجرب اثناء الفترة التي امضيتها في البرية للنامل والصوم.
كان يهمس في اذني: "انت جوعان. لكن بما اتك المسيح، يكفي ان تقول كلمة واحدة فيتحول حصى الصحراء الى خبز".
قاومت هذه التجربة التي كانت تشير الى ان اكون مسيحا خاليا من كل الم، حتى من الم الجوع، وان اؤمّن الرفاهية لانصاري موفرا لهم الاطعمة الارضية بكثرة.
اجبت المجرب بكلمة كتبنا المقدسة: "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل ايضا بكلمة الله".
في زمن اخر رايت نفسي قائما على قمة الهيكل، مطلا من العلاء على جمهور الحجاج..
فهمس الشيكان في اذني: "الق بنفسك الى اسفل، كانك ات من السماء وبدون ان يحصل لك ضرر. وبما انك المسيح لن تتعرض لاي خطر.
قاومت هذه التجربة التي تحث على القيام بمعجزة تستهدف لفت الانظار، وتجعل الناس يحملونني على الاكتاف. فلا يجرّب الله هكذا كان الانسان يرغمه على القيام باعجوبة.
اخير رايت نفسي على جبل عال:
وهمس الشيطان في اذني: "انظر هذه الممالك وثرواتها وسلطانها. اعطيك هذا كله ان خررت لي ساجدا".
فجبته: ابتعد عني يا شيطان. وقاومت هذه التجربة التي كانت تعرض عليّ سلطانا على العالم احصل عليه اذا قمت بعبادة الالهة الكزيفة، الهة السلطة والثروة، الهة العنف والظلم، الهة الخداع والكذب. عليك ان تعبد الله الحق واياه وحده.
انظروا يا اصدقائي، لا تتمثلوا بالشيطان المجرب".
لم يكن في مقدور احد ان يعرف تجارب يسوع هذه لو لم يتكلم عنها بنفسه. واتى كلامه في لغة تصويرية، راويا نوعا من صراع دار بينه وبين ابليس.
بالنسبة الى ابليس، لا يصح ان نظن انه شخصية خيالية: يسوع يدعوه "سيد هذا العالم". هو الخصم المخيف. نرى ارواح معادية لله والخير، تبث سمومها في بنيان المجتمع، وبالمثل في قلب كل انسان. وجاء يسوع يحررنا من قبضة الشيطان، شريطة ان يوافق على ذلك كل واحد منا.. اذ ان تضليل الشر قوي.

السامرية

 
على البئر
(يو4)
صدقيني ايتها المراة . ستاتي ساعة لا يكون المقصود فيها ان نتساءل عما اذا كان من الواجب التواجد هنا او في اورشليم لعبادة الله. فمكان التعبد قد اصبح منذ الان ثانويا. المهم هو طريقة اصلاة. هل نحن خاضعون لروح الله ام لا؟ لان الله روح. فالذين ينقادون بروح الله ويتابعون الهاماته في صدق حياتهم هؤلاء هم المؤمنون الحقيقيون. لكن لا يجوز ان نظن ان كل المناهج الدينية تتساوى. انتم السامريين تعرفون شيئا بسيطا عن الله بمنهج عبادتكم. اما نحن اليهود فنعرفه جيدا، ولهذا السبب يمكننا القول ان الخلاص ات من اليهود (قد اتى يسوع المخلص من اليهود).
قالت المراة: الفت نظرك الى هذا. انا اعلم جيدا ان المسيا ات ومعه على الاقل سوف نعرف كل شئ.
انا هو المسيح الذي يكلمك.
لم تحتفظ السامرية بهذا الاعلان لنفسها بل تركت جرتها واسرعت الى المدينة تدعو الناس لرؤية يسوع المسيح بانفسهم.
"هلموا انظروا انسانا سرد لي كل حياتي. اظنه هو المسيح".

وكيل الظلم

قصو وكيل الظلم
(مت18: 21-35)
على الطريق يتكلم بطرس مع يسوع
"تقول لنا انه لابد من الصفح عن القريب. لكن الصفح له حدود.. كم مرة يخطئ اليّ اخي واغفر له؟ ان لم يكف عن اهانتي ولا يزال يسبب لي ضررا؟ .. اسبع مرات؟
يا بطرس، لا اقول الى سبع مرات بل سبعين".
يا تلاميذي الاعزاء اسمعوا هذه القصة التي توضح كيف تجري الامور في ملكوت السموات.
"قرر ملك ان يضبط حساباته مع كبار موظفيه. رجع الى دفاتره وطلب احد الموظفين الذي كان مدينا لبيت المال الملكي بمبلغ ضخم يوازي 10 الاف وزنة (قد يمون محصل ضرائب او حاكم اقليم يشكو من عجز الميزانية).
المهم انه بكل تاكيد لا يملك ما يسدد دينا مثل هذا.
فامر الملكك ببيع هذا الكوظف الكبير واسرته ليحصل على بعض دينه.
حينذاك سجد الموظف وتوسل "امهلني، ارجوك، سوف اؤدي كل ما عليّ".
فاهتزت مشاعر الملك امام ضيق مثل هذا، فاطلق سراحه واعفاه من دينه.
لكن حال خروجه من بلاط الملك. قابل احد مرؤوسيه وكان مدينا له ب 100 قطعة فضة (دينار) فامسك بخناقه وشد على عنقه حتى كاد يخنقه قائلا: "اد لي ما عليك فورا" فجثا على ركبتيه متضرعا اليه "امهلني فارد لك ديني". لكنه لم يسمع له، بل القاه في السجن..
حينما سمع الملك بما حدث احضره وقال "ايها العبد الشرير، اني اعفيتك من كل دينك لانك توسلت اليّ افما كان ينبغي انت ايضا ان ترحم رفيقك؟".
وفي غضبه دفعه الى الجلادين ليحصلوا على اعترافا بدينه ويرغموه على رد الدين، ودفع ما عليه حتى اخر فلس.
كان امراء الشرق يلجاون الى تعذيب محصلي الضرائب حتى يكتشفوا اين اخفوا المال او بددوه.

ابنا الرعد

ابنا الرعد
(لو9: 51- 56)
قرر يسوع ان يذهب الى اورشليم. انطلاقا من الجليل، اقصر طريق هو الذي يمر بالسامرة. ولكن التجار والحجاج الذاهبين الى اورشليم يخشون جدا عبور بلد السامريين، الامر الذي يجعل كثيرين منهم يختارون المنحنى الطويل الذي يمر بوادي الاردن وبيرية. في الواقع كانت عداوة الجليليين واليهود للسامريين وبالعكس متاصلة جدا الى حد انهم حين يتقابلون كان يخشى دائما ان يحدث شجار عنيف قد يؤدي الى سقوط قتلى.
غالبا ما يقفل السامريون تخومهم انتقاما ويعرقلون التجارة والعلاقات بين الجليل واليهودية.
ارسل يسوع مقدما بعض التلاميذ ليعدوا المخيم في قرية على حدود بلد السامريين. لكن سكان البلد الذين استشفوا نية الجماعة من الحجاج الذاهبين الى اورشليم للاحتفال بعيد المظال رفضوا ان يستقبلوهم و يقدموا لهم ماوى.
كان الاخوان يعقوب ويوحنا ساخطين.. الا يحترمون قانون الضيافة، هؤلاء السامريين الحمقى؟ .. واكثر من ذلك يا لها من اهانة لشخص يسوع!.. هذا يستحق عقابا فوريا.
يا يسوع اتريد ان تامر النار باسمك فتنزل من السماء وتاكلهم وتبيد قريتهم كما فعل ايليا من قبل؟ سوف يكون هذا عبرة لهم ولغيرهم.
لكن يسوع انتهرهما بقوة.
"ايها الاخوان انتما حقا ابنا الرعد" لا تربح النفوس بالعنف انها روح الانتقام تجعلكما تتكلمان هكذا. لم ات لاهلك بل لاخلص. هيا نمر بقرية اخرى.

وانتم من تقولون اني انا؟

وانتم من تقولون اني انا؟
(مت16: 13-20)
في سفح مرتفعات حرمون، وقيصرية. هناك بعيدا عن جماهير الجليل، استطاع يسوع ان ينتهز فرصة فترة الراحة والتأمل ليقودهم الى اكتشاف حقيقته، بحسب قدرتهم على ذلك. ويود ان يجعلهم يعبرون عن رأيهم في هذا الصدد.
يطرح عليهم سؤالين:
"من يقول الناس اني انا.. من يظنون اني انا هو؟"
ما يفكرون فيه انه ليس انسانا عاديا، ان له مواهب عجيبة، وانه حصل بلا شك على رسالة من الله. لكن ما هي هذه الرسالة بالضبط؟ من الصعب ان يتحققوا من نوعها!.. فضلا عن ذلك انه قد يكون المسيح، غير ان هذا ليس باكيد. اولا: نحن على علم باهله – انه ابن النجار وان ليس له البتة ما يجعل منه القائد الحربي الذي يطرد المحتلين.. لكن حالته لا تزال لغزا، والاراء تختلف فيه.
وعليه يجيب التلاميذ:
بعضهم يقول انك يوحنا المعمدان.
وفي الواقع راجت اشاعة ان يوحنا قد قام من الاموات وان روحه تعمل في يسوع. وهذا الظن مؤكد في بيلاط هيرودس انتيباس الذي لا يتعزى عن انه امر بقطع رأس يوحنا، ويشعر بان هواجسا مرعبة تتسلط عليه، لانه يعتقد بخرافات.
وبعضهم يقول انك ايليا..
ايليا كان القديس الشعبي، الذي اختفى بطريقة سرية وكان الشعب لا يزال ينتظر رجوعه الى الحياة حتى يعين المسيح رسميا ويكرسه علنا..
اخيرا بعض يظنون انك لست الا نبيا جديدا..
هذا كان جواب التلاميذ على السؤال الاول. وعليه طرح عليهم سؤالا ثانيا:
"من تظنون اني انا؟
كانت برهة صمت.
ثم جاء جواب بطرس. بديهي. ولا يمكن ان يكون الا نتيجة خبرة حية، والفة طويلة مع يسوع.
بالنسبة لنا انت المسيح المنتظر، انت المسيح بن الله الحي.
لذا فيسوع يهنئه:
"يا سمعان ، لم تكتشف ذلك وحدك، بل ابي السماوي اوحاه اليك.. اذن لقبتك ببطرس فذلك لاني اريد ان ابني كنيستي على مثل هذا الايمان القوي كالصخرة، وقوى الشر التي تجد في لقضاء عليها ستتحطم امامها.
يا بطرس اعطيك مفاتيح ملكوت السموات، حتى تسمح للناس بالدخول فيها، او تبغلقها امامهم، فمن امن بي ودخل ملكوتي تغفر له خطاياه ومن رفض رسالة الخلاص لن تغفر له خطاياه.
ان كلمة كنيسة تعني "جماعة". وهي الاخوة الجديدة التي اراد يسوع ان ينشئها. وصورة المفاتيح انما ترمز الى فتح ابواب الملكوت امام الامم وليس اليهود فقط ليكون الخلاص مقدما للجميع.

الثلاثاء، 1 يناير 2019

قائد مئة وام لحوح

ضابط في الجيش الروماني – ام لحوحة
(مت8: 5-13 و 15: 21-28)
جثا قائد المئة امام يسوع قائلا:
"لديّ عبد عزيز عليّ جدا. هو ملقى على الفراش يعاني اشد الالام.
قال يسوع:
"انا اذهب لاشفيه.
سيدي لست اهلا لان تدخل بيتي.. ثم اضاف:
سيدى يكفي ان تقول كلمة .. وانا على يقين ان عبدي سيبرأ. هكذا انا لست الا قائدا مرؤوسا، يكفي ان اقول لاحد جنودي: اذهب هناك فيذهب... بالنسبة اليك يحصل نفس الشئ: ليس عليك الا ان تامر المرض من بعيد.
وتعجب يسوع لسماعه كلام القائد وقال:
"الحق اقول لكم لم اجد من شعبنا يؤمن بي مثل هذا"
**
يدرك يسوع ان تلاميذه الذين حل بهم الارهاق يحتاجون الى راحة. فقرر ان يعبر الحدود وياخذ بعض الوقت للترفيه عن النفس في منطقة لا يعرفه سكانها: بلدتي صور وصيدا. الامر الذي يحتاج الى سفر يمتد بضع عشرات من الكيلومترات. وظن التلاميذ انهم هناك على الاقل سيكونون في هدوء.
ولكنهم اخطأوا في حسابهم. لان سمعة يسوع تعدت الحدود ..
واذا بامراة كنعانية تاتي وتووسل الى يسوع:
"سيدي، انت الذي يقال عنك ابن داود، رحماك! .. ان ابنتي يتخبطها الشيطان تخبطا.
هذه المراة من اصل سوري فهي وثنية.
يتابع يسوع سيره ولا يجيبها.
لكن المراة تتبع يسوع ملحة:
اغثني!
فقال التلاميذ: يا لها من امراة مزعجة! بصياحها هذا ستنبه كل اهل البلد.. اصرفها يسوع او امنحها ما تطلبه حتى تتركنا في سلام!
ايتها المرأة، تسمعين ما يقولون، وهم على صواب: اني لم ارسل الا لشعبي "لا يحسن ان يؤخذ خبز البنين ليلقى الى جراء الكلاب".
دخلت العادة في كلامهم: كان اليهود يقولون بسهولة "هؤلاء الغرباء الكلاب". واستانف يسوع عن قصد هذه الصورة المزدرية التي تجعل من اليهود "البنين" ومن الغرباء "الكلاب" الا انه يصحح قليلا ويتكلم على جراء الكلاب التي تعيش ببساطة تحت نفس السقف مع البنين، تعارضا مع "الكلاب الشاردة".
ولكن هذا الدافع بعدم سماع دعواها لم يكن له وقع في نفس المراة، ولم تكترث لاي اذلال. فهي لحوحة، لان الامر هنا هو حياة ابنتها، وتعرف كيف تنتهز الفرصة السانحة. فردت على اعتراضات يسوع:
"هذا صحيح. ولكن حتى جراء الكلاب تاكل من الفتات الذي يتساقط من مائدة البنين".
ويسوع الذي كان يريد ان يجربها رحب بهذا الجواب:
ايتها المراة الطيبة، ما اعظم ايمانك. ليكن لك كا تريدين. يمكنك ان تذهبي مطمئنة قد خرج الروح الشرير من ابنتك".
لابد ان تصل رسالة يسوع الى الانسان في كل الازمنة والاجناس، في كل الثقافات والديانات. من يرغب ان يكون عضوا في اسرته الجديدة، في كنيسته كما يسميها، لا يضطر الى ان يتخذ جنسية شعب معين ويفقد هكذا اصالته الثقافية، وليس عليه ان يتبنى اخلاق وعادات حضارة خاصة او يتبنى فلسفتها ولغتها، فنه وادابها، ولا حتى طريقة تعبيرها عن ايمانها. يكفي فقط ان يضع ثقته في يسوع وان يجعل حياته مطابقة لتعليم يسوع.