‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قديسين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قديسين. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 مايو 2021

القديس مارتين

سنكسار يوم وز ٢١ بشنس - الموافق٢٩ مايو. تذكار نياحة القديس مارتينيانوس.
في أواخر القرن الرابع الميلادي تنيَّح القديس مارتينيانوس. وُلِدَ في قيصرية فلسطين وترَّهب عند قديس بجبل السفينة وأجهد نفسه بنسكيات شديدة. فسمعت به امرأة شريرة وأرادت أن تسقطه معها في الخطية فذهبت إليه بثياب رثة وقت المساء وطلبت منه أن يقبلها حتى الصباح. وبعد إلحاح شديد وضعها في مكان منفرد بالقلاية. وفي الصباح ذهب إليها ليصرفها فوجدها قد تزينت وبدأت تراوده عن نفسها، فخرج خارج القلاية وأوقد ناراً ووضع فيها يديه ورجليه حتى احترقت محدثاً نفسه " إن كنت لا تقدر أن تحتمل هذه النار البسيطة فكيف تحتمل نار جهنم "، فلما رأت المرأة ذلك خافت جداً فنـزعت ثيابها الثمينة وارتدت ثيابها الرثة، ثم جاءت ووقعت عند قدميه طالبة الصفح والغفران، ثم وعدته أن تمضى بقية حياتها في التوبة. فأشار عليها أن تذهب إلى دير للعذارى في بيت لحم.
أما القديس فخاف من مكائد عدو الخير فمضى إلى جزيرة في وسط البحر وسكن هناك. وذات يوم حدث أن هاجت الرياح على إحدى السفن فاصطدمت بصخرة وانكسرت، فتعلقت امرأة ممن كانوا فيها بلوح خشب حتى وصلت تلك الجزيرة، فلما رآها القديس أعطاها كل ما عنده من الخبز ورسم ذاته بعلامة الصليب وطرح نفسه في البحر وتعلق بلوح الخشب حتى وصل إلى البر، وقرر أن لا يستقر بعد ذلك في مكان، وأخذ يجول في البراري والقفار لمدة سنتين ولما شعر بقرب نياحته ذهب إلى أثينا حيث اعتراه مرض شديد، فطلب مقابلة الأب الأسقف وأخبره بقصته، ثم فاضت روحه بيد الرب، فكفنوه ودفنوه بإكرام جزيل.
بركة صلواته فلتكن معنا..
القصة كتبها بسرد روائي رائع الاديب الروسي تولستوي تحت عنوان (الناسك).

موصوعات صلة:
الناسك، لتولستوي

الاثنين، 15 أبريل 2019

القديسة تريزا بندكت

Saint Edith Stein (Saint Teresa Benedicta of the Cross, O.C.D: Blessed by the Cross (Encounter the Saints Series, 5)My 
الصورة تمثل غلاف لكتاب يحوي قصة حياة إديث شتاين (او القديسة تيريزا بنديكت من رهبانية الصليب). والكتاب ملائم للاطفال من سن 10-14 سنة.


ملخص لقصة حياتها:
كانت ايديث فتاة متعلمة تعليما جيدًا حسب وقتها فقد حصلت على درجة الدكتوراة. وضد رغبات والدتها، اعتنقت الكاثوليكية وأصبحت راهبة فيما بعد. اطلعت على مؤلفات توما الأكويني (تجد مراجعة لفلسفته هنـــا، كما تجد قصة حياته هنـــا)، إيمانا منها بأن البحث عن الحقيقة هو أسمى ما يمكن أن يقودها إلى فهم ما يحيط بها من ظواهر إنسانية. 
انتقلت إلى المعاهد الكاثوليكيّة بعد أن أعفيت من الأستاذيّة، لتعيش حياة الرهبنة، مهرولة إلى اللاهوت لقراءة المفكرين المسيحيين، لا سيما القديس توما الأكويني. وقد كان لهذا التغير المفاجئ وقع على أصدقائها اليهود، بحيث اتهمت بالهروب من جحيم النازية، الذي لم تسلم منه. انضمت شتاين للراهبات الكرمليات الحافيات في كولن سنة 1933 واتخذت اسم تيريزا بندكتا للصليب. ونتيجة لتزايد الخطر النازي عليها انتقلت إلى الدير الكرملي بإخت في هولندا.
نشر تجمع الأساقفة الهولنديين منشورا يشجب فيه النازية علنا سنة 1942 ، وكنتيجة لذلك قررت السلطات النازية اعتقال جميع اليهود المتنصرين، ومن ضمنهم إديت شتاين واختها روزا التي كانت قد تحولت للمسيحية ، وتم إعدامهما من قبل الحزب النازي في معسكر اشفيتز سنة 1942م.


موضوعات ذات صلة:
فينومنولوجية المرأة

الاثنين، 23 يوليو 2018

اﻻب مكسيميليان كولب


حياة بدل حياة:
في 17 فبراير 1941 ترجل 3 جنود نازيين من سيارة عسكرية امام دير "نيبو كالاناوا" ببولندا يريدون مواجهة الاب ماكسميليان كولب، فاذا بهم ازاء راهب شاحب الوجه، اضناه المرض والجهد، فاقتادوه على الفور الى سجن بورياك. وبعد ايام استدعى الاب كولب امام القائد الالماني النازي الذي استبد به الغضب لدى رؤيته الثوب الرهباني. فصرخ بوجهه:
ايها الكاهن...، قل لي هل تؤمن بالمسيح؟
نعم اؤمن!
واذا بصفعة قوية تهوى عى خده. وجاء السؤال مجددا بتشنج:
وبعد هذا هل تؤمن ايضا؟
نعم اؤمن!
فراح القائد ا والكاهن المسكين لا مقاومة له سوى الاصرار على ايمانه.
وفي 30 من يوليو 1941 هرب احد السجناء من الفرقة 14 من سجن اوشوايتز، فتذكر السجناء المنكودون التهديد القاضي باعدام عشرين سجينا عن كل هاربمن الفرقة. واصطف المعتقلون امام القائد ليختار ، كالجزار، من يرسله الى المحرقة.. وارتفع الزفرات، ويختلط الاستنجاد بالحسرات. واذا باحدهم يصرخ بصوت تخنقه الغصة: "اه، زوجتي التعيسة، اولادي الاعزاء!".
وفي هذه اللحظات ترك احد المعتقلين صفه وتقدم من القائد، فشهر هذا مسدسه وصرخ:
مكانك! ماذا تريد ايها الخنزير؟
فاجابه الاب ماكسميليان – وكان هو المتقدم:
تن تسمح لي بان اموت عوضا عن احد المحكوم عليهم!
من انت؟
انا كاهن كاثوليكي.
عوض من تريد ان تموت؟
عوض هذا (واشار الى الرجل الذي انتخب من قليل).
ولماذا؟
لانه رب عائلة مسكينة!
ووافق القائد ، واقتيد الكاهن المتمثل بسيده المسيح مع المحكومين الاخرين الى غرفة الموت.. غرفة مظلمة تحت الارض، يهمل فيها المعذبون الى ان ينهشهم الموت رويدا رويدا، بانياب الجوع والعطش. واقسى عذاب يعانونه هو العطش المحرق الذي يلهب الاحشاء، ويجفف الدم في العروق. وما اقسى الموت اذا اقبل ببطء!
وفي صباح اليوم 14 من اغسطس كان الاب ماكسيميليان اخر من تبقى من زملائه، فقضى عليه حارس المعتقل بطعنة بخنجر مسموم بمادة الفينول واحرقت جثته! وكان عمره انذاك 47 عاما، لكنه منذ تلك اللحظة دخل عمره الابدي في السماء..
الى ساحة التكريم والمجد:
وفي يوم الاحد 10 اكتوبر 1982 ، وفي ساحة القديس بطرس بروما، وقف البابا يوحنا بولس الثاني يعلن رسميا قداسة مواطنه الاب ماكسميليان كولب، امام حشد غفير يربو على مئة الف شخص من جملتهم فرنسيس كايوفنيكزك نفسه الذي كان الاب كولب قد قدم حياته عنه قبل 40 عاما، وعمره الان 82 عاما.
وفي الكلمة التي القاها بالايطالية والالمانية والبولندية، علّق البابا على قول السيد المسيح "ليس لاحد حب اعظم من هذا، ان يضع احد نفسه لاجل احبائه"(يو15: 13) بان الاب كولب اكمل قول الفادي بحذافيره في معتقل اوشوايتز المشؤؤم، حيث مات 4 ملايين شخص بالتعذيب والاعدام.

الجمعة، 3 يونيو 2016

لمحات من حياة ابونا مرقس داود


كان ابونا "مرقس داود" يدلي برأيه في صوت خافت رقيق وفيما يشبه الاعتذار عن تفوقه الواضح في النقاش. وحكمة هذا الرجل المبارك الذي يشرك تلاميذه بطريقة تربوية رائعة في كثير من انتاجه الوفير لتعليمهم واعدادهم لخدمة كنائسهم. في ترجمة القداسات الاثيوبية.


كان تعبيره الذي يوجه به رسائله لكل ابناءه هو "ابني الحبيب.. قبلاتي الحارة واشواقي الروحية الوافرة، ارجو من الرب يسوع ان تكون في ملء صحة الروح والنفس والجسد". هكذا كان فكره واسعا عارفا بان اي عنصر من الثلاثة اذا اختل فانه يخل بالباقين لذلك سبق عصر العلم الذي قنن هذا في المدارس الحديثة حيث يعالج الانسان بفريق من الاطباء الجسديين والروحيين وايضا المرشدين الروحيين.


كانت الصلوات ممتزجة بروحه في الانسان الباطن، فاذكر اننا ونحن نودعه وكان في غيبوبة المرض الاخير- قائلين له "سلام يا ابانا" كان يرد وهو غير مدرك لشئ مما حوله قائلا "ولروحك ايضا وكأنه في قداس الهي.


ما رأيته مرة منصرفا عن الاستماع، مطبقا قول الرب "لان الاستماع افضل من تقديم الذبيحة" .. كان يستمع للطبيعة والناس والكتب المقدس. لذا فقد امتلأ، وملأ الكثيرين.


كانت من عادة ابونا "مرقس داود" ان يصلي قبل الطعام قائلا: 
يارب نشكرك لان كثيرين لهم صحة وليس لهم طعام. واخرون عندهم الطعام وليس عندهم الصحة ليأكلوه. فنشكرك يا رب لانك اعطيتنا الاثنان معا. فليكن اسمك مباركا. امين


وكان كثيرا ما يردد القول المأثور: 
نحن اناس لا نأكل حتى نجوع. واذا اكلنا لا نشبع. 


كان اذا احد اشار الى لبسه يرد بقول الشاعر: 
اذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه فكل رداء يرتديه جميل


راودتني مرة فكرة نحوه بسبب منظر بيته الذي اعتبرته فاخرا .. وحينما انقشعت الفكرة من ذهني تأملت في كل ما هو حولي فاذا هو عتيق قديم، فمكتبه الذي ظننته فخما، هو ذاته مكتبه منذ ستون او سبعون عاما. وهكذا مكتبته واثاث بيته، ولكنه كان يعيش كمن لا يعيش، يستخدم ما حوله من مقتنيات بحرص شديد، وكأنه يريد ان يكون بخارا خفيفا على كل شئ حوله. 


في كل مرة تجلس فيها معه، تشعر بأنه عقلية جبارة مرتبة للغاية. لقد سلم ابونا مرقس حياته لله، فقام الله - تبارك اسمه – بترتيبها. 


كان كثيرا ما يقول: 
ان عمل اب الاعتراف الاساسي هو اعادة بناء الشخصية كي تتوافق مع الله ومع ذاتها ومع الاخرين. 


احب الطبيعة جدا لانها تظهر يد الله ذاته، بل هي تشهد لعظمته وقدرته الفائقة. احب الرحلات والخلوات الروحية بين احضان الطبيعة..كان ينظر للعالم نظرة مستبشرة دائما، نظرة تعكس مدى صفاء نفسه، فكان يرى الخير في كل الامور، كان يرى ان العالم يخدم خطة الله للخلاص.. كان يرى يد الله تقود العالم بما فيه نفسه هو .. كان الله ممسكا بدفة حياته، وكان هو سعيدا بذلك.


البعض يظن ان المعجزات هي مقياس القداسة والبرهان الوحيد عليها. ولكننا نرى القديسين امثال اثناسيوس وكيرلس وديسقورس. ومعاصرين مثل القس منسى يوحنا والقمص بيشوى كامل والقمص ميخائيل ابراهيم، انهم لم يكونوا رجال معجزات، بل رجال تعليم ورعاية.


جلسنا مرة نتحدث عن الملكوت والكنيسة الجامعة، ومن هو المستحق له. فسألني ابي:
"هل تظن ان الناس الذين نشروا الانجيل وترجموه الى كل لغات الارض سيهلكون" فرددت الاجابة التقليدية الضيقة. فزجرني قائلا "لو كانت هنا عصا لضربتك". من نحن حتى نحكم ان هذا يدخل للملكوت، او هذا لا يدخل. وقص لي قصة المتنيح حبيب جرجس حينما سأله احدهم "هل يدخل البروتستانت الملكوت" فاجابه قائلا "لم يعطني الله مفتاح الملكوت لافتح لمن اريد واغلق لمن لا اريد. الله له مقاييس تختلف عن مقاييس البشر". 


كان كثيرا ما يردد هذه العبارات :
دعونا ننفذ وصية الرب يسوع "لنذهب الى القرى والحقول المجاورة لاني لهذا اتيت"


قل لاخيك انا ارى الامر هكذا وان كنت انت تراه غير ذلك، فليكشف لنا الله الرأى الصحيح. 


هناك سحب تمر على الارض مر الكرام خفيفة سريعة تملها اي ريح الى حيث تشاء دون ان تؤثر بشئ. وهناك سحب اخرى محملة بالمطر فتمر على مساحات شاسعة، حيث تغمر كل جزء منها بمياها تشيع الخير في كل مكان تمر فيه. واذا كانت حياتنا بخار يظهر قليلا ثم يضمحل، فان ابينا استطاع بنعمة الله ان يحول هذا البخار الى سحب متكاثفة، بقدر ما تعرض لنور الشمس الساطع الذي زوده بكل طاقة الحياة.

وتقول ابنته عن لحظة انتقاله "اغمض ابونا عينيه لينام في هدوء وسلام، وهو يهمس: اشكر المسيح. كنت اصرخ متعجبة، واقول: يا سلام! هو الموت سهل كدة! انا لن اخاف من الموت بعد ذلك، بل سأقول مع ابي الحبيب اين شوكتك ياموت؟"

الجمعة، 22 يناير 2016

القديسة مريم القبطية


كان من عادة الاباء الرهبان في فترة صوم الاربعين المقدسة ان ينطلقوا في البرية. كان الاب زوسيما يتجول في البرية وإذا به أمام امرأة عمرها حوالي الثمانين سنة، قد أحرقت الشمس بشرتها. تضرّع إليها أن تسردَ له قصتَها وكيف أتت إلى الصحراء، فأجابته بسبب إلحاحه:
"اسمي مريم وأنا من الإسكندرية، في صباي كنت جميلة جداً وطبعاً تافهة جداً. لم أكن أهتم بما لله ولا بالأخلاق. كنت أقول لنفسي: سوف أفعل ما أشاء ولن يستطيع أحدٌ إيقافي، ما دمت أمرح وأقضي وقتاً ممتعاً.. لم أبال بكوني قاسية أو سيئة الطباع أو أني أسخر من الناس. ذات مرّة رأيت جمعاً كبيراً من الناس يتجهون نحو الشاطئ. سألت عن السبب، فقالوا لي إنهم ذاهبون إلى أورشليم لرفع الصليب المحيي بعد أيام قليلة. أعجبتني الفكرة وأردت الذهابَ معهم لعلي أجد تسليات جديدة. وأبحرت إلى أورشليم. وصلت إلى هناك، وأخذت ألهو وأتسلّى. وجاء يوم عيد رفع الصليب، فرأيت حشوداً من الحجاج يتجهون إلى كنيسة القيامة فانضممت إليهم.

كان الحجاج يدخلون الكنسية، وكنت أسير معهم عندما أحسست فجأة أن شيئاً ما يدفعني بعيداً عن الباب. حاولت مجدداً الدخول، ومن جديد شعرت بأنّ هناك قوةً تمنعني من الدخول. حاولت مرةً ثالثة لكن دون جدوى، لم أستطع عبورَ باب الكنيسة. لماذا لا يمكنني أن أدخل؟ لا أستطيع أن أفهم. هل هي خطاياي الكثيرة التي تمنعني من الدخول إلى بيت الله. في اللحظة التي فكرت في ذلك، بدأت أتغيّر. لم أعد أحاول الدخول إلى الكنيسة، بل نظرت إلى أيقونة لوالدة الإلة مرسومةٍ فوق مدخل الكنيسة. نِظْرةُ والدة الإله في الأيقونة جعلتني أخجل من نفسي. كيف أحاول الدخول إلى حضرة الله وأنا قد صنعت أموراً كثيرة لا ترضي الله؟ لم أفكّر يوماً في ما هو جيّدٌ لأفعله بل ما أريده كنت أفعله. كم كانت حياتي مختلفة عن حياة والدة الإله". هنا توقفت الناسكة العجور وأخذت تبكي وهي تفتكر بسني شبابها التي أضاعتها في أمورٍ تافهة. ثم أكملت: "ثم خرجتُ من الكنيسة وسجدتُ لأيقونة والدة الإله وطلبتُ منها أن تمنَحَني فرصةً للتوبة عن خطاياي.

كان مجرّد التفكير في خطاياي يعذّبني. بكَيت بحسرة كبيرة. غير أنّي شعرت برجاءٍ في قلبي فتحركْتُ صوب باب الكنيسة مجدداً وإذا بي أدخل دون أيِّ عائقٍ، علمت، إذ ذاك، أنَّ الله يقبل توبة الخاطئين. في هذا المكان المقدّس سجدت للصليب المحيي وقبّلتُه برعدة. ثم خرجت من الكنيسة وسجدت لأيقونة والدة الإله وطلبت منها أن تمنحني فرصةً للتعويض عن خطاياي. فجاءني صوتٌ من السماء يقول لي :"اذهبي إلى الصحراء عبر نهر الأردن". هذا حصل منذ أكثر من خمسين سنة. في البدء كانت الحياة في الصحراء صعبة عليّ، كنت أتذكّر حياتي السالفة، أصدقائي، الأوقات الجميلة التي كنّا نقضيها سوية، وكنت أتذكّر الأطعمة الطيبة والشراب اللذيذ وكلَّ الأشياء الجميلة الأخرى التي اعتدتُ عليها، وفي الصحراء لا أستطيع أن أجد نقطة ماء لأشرب. كثيراً ما شعرت بالجوع، والشمس تُحرقُني بلا رحمة. مراراً مرضت وقاربت الموت. أحياناً، عند تذكّري حياتي السالفة بتوجعٍ، كنت أستلقي على الأرض وبدموع أتوسّل إلى الربّ الإله أن يعينني. في النهاية أعطاني الربّ الإله سلاماً في قلبي. بكيت كثيراً على خطاياي والربُّ الرحيم قَبِل توبتي وعزّاني.

الخميس، 30 يوليو 2015

القديسة بخيتة


ملخص سيرتها:
القديسة السودانية بخيتة من دارفور ولدت في قبيلة الداجو واختطفها تجار الرقيق في أواخر القرن التاسع عشر وباعوها في الخرطوم حيث تعرضت لعذابات مريرة على أيدي تجار الرقيق، وكان خلاصها على يد القنصل الإيطالي العام . كانت تعامل بشكل جيد فيمنزل القنصل ولذا فانها طلبت مرافقتهم عند عودتهم إلى إيطاليا، حيث قبلت سر المعمودية المقدسة، وسميت جوزفينا، إلا أنها أصرت على الاحتفاظ باسم بخيتة فخراً واعتزازاً بسوادنيتها، وانضمت الى مجموعة راهبات «أخوات كانو سيان» وأصبحت معروفة باسم الأخت السوداء.. اعترفت بها الكنيسة الكاثوليكية مؤخرا ومنحها البابا لقب القديسة بعد أن ثبت أنها قيامها بأعمال إنسانية أثارت الإعجاب حين انبرت لحماية سكان سيتو خلال عمليات القصف إبان الحروب العالمية.. 

لمحات من سيرتها:
ولدت القديسة بخيتة في حوالي 1870 في قبيلة الداجو بدارفور، وقبل أن تبلغ السابعة اختطفها تجار الرقيق من قريتها وباعوها في سوق الأبيض ثم بيعت في أسواق الخرطوم.. والاسم بخيتة ليس اسمها الأصلي من والديها الذي نسيته لطول ما عانت من العذاب، وإنما كان ذاك الاسم من تجار الرقيق .. أحد أسيادها في الخرطوم كان ضابطا تركيا مغرما بتعذيب البنات الصغار، وقد كان يقطع جسدها بالموس.. وحينما تركته فيما بعد احصت 114 جرحا بشفرة الموس في كل أجزاء جسدها.. وقد كان عمرها دون الثانية عشر..ن

في سن ال12 اشتراها القنصل الإيطالي 'كالستي ليقناني' حيث عملت كخادمة مع أسرته.. وقد كانت هي المرة الأولى تعامل معاملة إنسانية.. وحينما أرادت أسرة ليقاني الرجوع لإيطاليا أخذوها معهم ذلك في 1885.. حين وصلت السفينة لجنوا طلب ميشيللي من صديقه ليقاني منه أن يترك بخيتة بعض الوقت مع أسرته.. وحينما ولدت طفلة لميشيللي سميت ميمينا فأصبحت بخيتة مربيتها الأساسية.. ن

في 1889 تسجلت بخيتة في المدرسة الكاثوليكية كمرافقة لميمينا.. ثم حينما أتت فرصة لأسرة ميشيللي للعمل في أفريقيا عهدوا بالطفلة والمربية لمدرسة تابعة للكنيسة في فينيسيا، وهناك تعمدت بخيتة رسميا ومنحت الإسم جوزيفينبا في 9 يناير 1890.. ن

في تلك المدرسة أحبها الجميع لأخلاقها العالية وطيبة معشرها وخدمتها للآخرين.. وقد كانت تستقبل الجميع بالإبتسام وبالمحبة وكان صوتها رخيما ومحببا في الترانيم.. من الأقوال: 'برؤية الشمس والقمر والنجوم قلت لنفسي من هو صاحب هذه الأشياء الجميلة ومسيرها؟ وشعرت برغبة عارمة للتعرف عليه ولتقديم الولاء له'.. ن

حينما عادت أسرة ميشيللي ليستلموا إبنتهم ومعها مربيتها عبرت بخيتة عن رغبتها في الاستمرار بخدمة الكنيسة.. وهنا أظهرت ميشيللي أنها تملك جوزيفينا ولم تتنازل عن بخيتة.. وشجع بعضهم جوزيفينا على الوقوف أمام القضاء ، وكسبت الدعوى حين حكم القاضي الإيطالي لصالحها حيث ان القضاء الايطالي لا يعترف بالعبودية..
في 8 ديسمبر 1896 دخلت بخيتة الدير، ولمدة خمسين سنة وهبت نفسها لخدمة الله وعاشت في خدمة مجتمعات فينيسيا وفيرونا في أعمال الطبخ والحياكة والتطريز والحراسة ومختلف أنواع الخدمة. ن

وحين امتد بها العمر كانت تقاسي آلام المرض وتعاني من التهابات مزمنة في الجهاز التنفسي. واخيرا في 8 فبراير 1974 أسلمت 'الأم السوداء' الروح إلى بارئها.. ن

بخيتة تبعت نداء الرب في خدمة الآخرين واستضافتهم وقررت بذل نفسها في خدمة المساكين وفي الأعمال الخيرية.. وقد كانت تقدس كثيرا العبارة 'ها أنا ذا أصبحت ابنة الرب'.. وقد عرفت بخيتة أن الرب اختارها لتجلب الأخبار السارة للفقراء وبذلت حياتها من أجل ذلك.. ن

بخيتة كانت مثلا للفرد الحر المتواضع بعد طول اضطهاد وقد كان ردها المعتاد على كل صعوبة أو أمر جلل يواجهها هو قولتها 'كما يشاء الرب'.. وقد شاركت في تحرير المضطهدين عبر تجردها للخدمة وللصلاة.. لقد كانت استجابتها لنداء الله هي إعطاء نفسها كاملة في مؤسسة القديسة ماجدولين في كانوسا وفي تجردها لتعيش الإنجيل في نموذج لحياتها وفي صلواتها.. نبخيتة جعلت حياتها كلها خير بتحويل المعاناة إلى بذل وخدمة للآخرين.. تواضعها وبساطتها وابتسامتها الدائمة أكسبتها قلوب الناس.. بخيتة كانت تقول: 'كن طيبا.. أحب الله، وصل من أجل من لا يعرفونه.. و ما أعظم أن تعرف الله..''.. نبخيتة يضرب بها المثل في التصالح مع ما حولها. ومن الصعب الكلام عنها دون ذكر انه لا يزال هنالك في هذا العالم لا زالوا ضحايا لممارسة الإستعباد وتجارة الرق.. ونحن لا نتحدث عن القديسة بخيتة فقط كمثال للتواضع وإنما كرمز يقف أمام الذين مروا بمرارة الإستعباد.. 

من اقوالها:
"انا لا ابغض التجار الذين اختطفوني، وحتى أولئك الذين عذبوني، أود الركوع وتقبيل أيديهم، لأنه إذا لم يحدث ذلك، لم أكن اليوم مسيحية ..."
"لقد أعطيت كل شيء لسيدي: وسوف يعتني بي ..."
"أفضل شيء بالنسبة لنا ليس هو ما نعتبره الأفضل، ولكن ما يريده الرب منا! "
"لقد تلقيت سر المعمودية مصحوبا بهذا الفرح الذي الملائكة فقط هم من يمكنهم أن يصفوه ..."
"إن الرب قد أحبنا كثيرا، لذا يجب علينا أن نحب الجميع ...!"
"عندما يحبك شخص آخر فانه يرغب بشدة أن يكون قريبا منك، لذا، فلماذا نخاف الموت؟ الموت يقودنا إلى الله ويقربنا منه! "

الأربعاء، 25 مارس 2015

قوة الصلاة في بساطتها

قصة من الادب الروسي توضح ان قوة الصلاة لا تكمن في كثرة الكلام لكن في بساطة وصدق القلب المجاهد.

قال البحارة: يجب ان نتوقف هنا يا ابانا. يوجد هنا في هذه الجزيرة ثلاثة قديسين، نريد ان نطلب منهم الصلاة من اجل ماريا فهي حامل.
يتوقفون في الجزيرة فيخرج للقائهم 3 شيوخ بملابس بسيطة وينتعلون احذية من الخوص المضفر. يسأل الكاهن في دهشة: 
- قالوا لي انه هنا يعيش 3 قديسين.
- اين؟
- على هذه الجزيرة.
- نحن الوحيدون الذين نعيش هنا ولم نر اي قديسين.
- تعالوا الى منزلنا المتواضع.
- هل رأيت مثل هذا السمك الضخم؟
- لا، ابدا في حياتي. فقط عندما نأتي الى هنا نرى مثل هذا السمك.
- اشربوا انه من ماء النبع.
- ليتبارك اسم الرب.
- اخبرونا من انتم؟ وكيف اتيتم الى هنا؟ وبماذا تشتغلون؟ وكم سنة لكم في هذه الجزيرة؟
اترككم مع الفيلم الروسي الرائع
رابط الفيديو

السبت، 13 ديسمبر 2014

القديسة لوتشيا شفيعة العميان

وُلدت القديسة لوسيا (أو لوسي، ويعني اسمها نور أو منيرة) في سيراكوزا بصقلية في نهاية القرن الثالث الميلادي، وكان والداها من أغنياء المدينة الأتقياء، وقد ربياها تربية مسيحية حقة وعلماها الصلاة والتسبيح ومطالعة الكتاب المقدس. وعندما مات والدها وهي في السادسة من عمرها اختارت لها أمها أوتيكا عريسًا شابًا ذو أخلاق حميدة غير أنه كان وثنيًا، و لما شعرت القديسة بنية والدتها طلبت منها أن تؤخر الأمر وتدعها بضع سنين حتى تقرر أمرها، فوافقت الأم إلا أن الشاب أخذ يلح عليهًا مرارًا بينما كانت لوسيا تصلي ليلاً ونهارًا بدموع لكي ينقذها الرب من هذه التجربة. وبعد مدة مرضت الأم فتشفعت القديسة لوسيا لدى القديسة أغاثي التي ظهرت لها في حلم، وقالت لها أن تطلب من رب المجد فيستجيب لطِلبتها، وفعلاً قامت وصلَّت صلاة حارة فشفيت والدتها ووعدتها بأنها لن ترغمها على الزواج من ذلك الشاب الوثني. وقامت الأم وابنتها ببيع ممتلكاتهما للتصدق على الفقراء، إلا أن الشاب وشى بهما لدى الحاكم بسكاسيوس، فأرسل وقبض على لوسيا وأخذ يلاحقها تارة ويعذبها تارة أخرى حتى أمر بإرسالها إلى بيت الخطية لأنه كان معجبًا بعينيها مراودًا إياها لفعل الخطية. رفعت البتول يديها إلى السماء مستغيثة بالرب ثم اقتلعت عينيها وألقتهما في وجه الحاكم، حينئذ ألهمها رب المجد وجعلها تثبت في مكانها كالصخرة حتى عجز الجنود عن أن يزحزحونها من مكانها، فربطوها بحبال وأخذوا يشدونها من مكانها حتى خارت قواهم. وعندما ألقوها في النار كانت تصلي لوسيا للرب وخرجت معافاة، فأمر الحاكم بضرب عنقها بالسيف ولكن الضربة لم تكن كافية لفصل رأسها عن جسدها فلم تمت القديسة حالاً، فأخذها المؤمنون إلى بيت قريب وأحضروا لها القربان المقدس فتناولت منه ثم رقدت بسلام وكان ذلك في 13 ديسمبر. منذ بداية القرن الرابع والتقليد المسيحي الغربي يتخذ من القديسة لوسيا الشهيدة شفيعة للمكفوفين وضعاف البصر وترسم صورتها دائمًا وهي حاملة عينيها في طبق.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

برناديت



ولدت برناديت من اسرة فقيرة تعاني في كسب القوت اليومي و يعيشون في منزل متواضع. اتصفت بنقاء القلب والصدق. وثمة نور هادئ كان ينبعث من عينيها بالرغم من انها كانت تعاني من الربو المزمن، وتواجه صعوبات في التعلم بالمدرسة. وتبدأ قصة ظهور العذراء لها في يوم 11 فبراير 1858، في مدينة لورد في جنوب فرنسا حيث ترى رؤية لـ "سيدة جميلة" في مغارة بالقرب من القرية. في ذلك اليوم ذهبت برناديت مع أختها وصديقتها إلى منطقة ماسابيل في خراج بلدة لورد، لإلتقاط بعض الحطب. كانت تخلع نعليها لمحاولة اجتياز نهر"الفاف" عندما سمعت صوتاً يشبه لفحة ريح. نظرت نحو الفجوة في الصخر وإذ بها ترى مشهداً غريباً. فتقول: " رأيت امرأة، لباسها أبيض. فستان أبيض و منديل أبيض يتدلّى إلى رجليها، زنارها أزرق وهنالك وردتان لونهما أصفر واحدة على كل رجل من رجليها". ها برناديت ترسم إشارة الصليب وتصلي مسبحتها مع هذه السيدة التي في نهاية الصلاة تختفي فجأةً. 


بعد فترة ألحت برناديت في الطلب من والدتها للذهاب ثانية حيث ظهرت لها العذراء مرة ثانية.. وفي الظهور الثالث للعذراء لها طلبت منها العودة للمغارة لمدة 15 يوما متتالية..

على الرغم من انه لم يصدقها احد الا ان الناس بدأوا يصحبون برناديت في رحلتها اليومية الى الكهف. البعض بدافع الفضول والبعض الاخر كان يؤمن بالظهور المعجزي ويأمل في الحصول على لمحة من هذا الظهور.
شجاعة برناديت والإيمان العميق الذي تحلت به، والشفاءات المعجزية التي حدثت، نجحت في إقناع المعارضين لها من قداسة رؤاها وصحة الظهورات.
بعد هذه الظهورات توالى الاستجواب والتحقيقات التي لا نهاية لها من قبل السلطات الكنسية والمدنية.
في الزيارة التاسعة للمغارة، طلبت "السيدة" من برناديت أن تشرب من النبع وتأكل من الأعشاب النابتة هناك، وبالرغم من عدم وجود نبع مرئي، حفرت برناديت في الأرض بالقرب من المغارة، فبدأ الماء في التدفق ببطء من هذه الحفرة الضحلة واعتبر البعض ظهور هذا النبع مع مياه الشفاء معجزة.. كان اجمال عدد الزيارات الى المغارة 18 زيارة.


المصدر:

الأحد، 29 ديسمبر 2013

ساكن المغارة

لحيته متركزة اسفل ذقنه، جبهته خالية من الشعر، عروق وجهه ويديه بارزة من تحت الجلد، يعتمم عمامة من القماش الابيض الرخيص، وجلبابه اسود، و اغلب الظن انه حافي القدمين! وسنلاحظ كيف يحاول باستماتة، و بكثير من حركات اليدين، ان ينقل الى الواقفين ما يريد ان يقوله فقد كانت مفرداته قليلة من اللغة العربية. هو في الاصل حبشي ترهب في الحبشة باسم "جبرا كريستو" وتعني "عبد المسيح". الرهبنة منتشرة في الحبشة فقد وصل عدد الرهبان في اوائل القرن العشرين الى اثنى عشر الفا و عدد الاديرة الى ثمانمائة دير، اما الكنائس فعددها يربو عن اثنى عشر الف كنيسة وعدد الكهنة يقدر بخمس عدد الذكور فيها حيث يصل عدد الكهنة في بعض الكنائس الى خمسمائة قس يعاونهم مائتي شماس. وتسمى الكنيسة هناك "بيتا كريستان" اي بيت المسيح، والكنائس تبنى من الخشب في شكل سداسي يتوسطه المذبح و هناك اكثر من ثلاثمائة كنيسة منحوتة في الصخر. والوجبة الرئيسية في الاديرة – وفي الواقع هي الوجبة الوحيدة في اليوم - عبارة عن مغرفة من الموز المطبوخ بعد تجفيفه حيث ينمو بكثرة هناك على ضفاف البحيرات.

جاء الى مصر في عام 1935م وابدى رغبته في الالتحاق بالدير للبابا يؤانس وهو الهدف الذي دفعه الى المجئ من الحبشة الى مصر سيرا على الاقدام. قطع المسافة سيرا على الاقدام في تسعة اشهر، والرحلة تستغرق في الاصل ثلاثة اشهر ولكنه كان يتخللها ايام يمكث فيها عند بعض الناس البسطاء الذين يرحبون بكل شخص غريب و يأوونه في بيوتهم عملا بقول المسيح "كنت غريبا فاويتموني" وايضا قول الانجيل "لاتنسوا اضافة الغرباء لانه بها اضاف اناس ملائكة وهم لا يعلمون". بحسب تعبيره البسيط يقول "المسيحيون رحبوا بي في قلاليهم". وحين كان يسأل عن سبب مجيئه من الحبشة الى مصر كان يجيب "كان فيه فلوس لكن لم يكن فيه اخرستوس" ويقصد ان المال كان وفيرا لكن لم يكن هناك علاقة قوية مع المسيح.

لم يطق أسوار الدير. طلب من رئيس الدير ان يأذن له في الاقامة بمغارة تبعد قليلا عن الدير، ولكنه رفض اذ انه غريب و لا يحمل اوراق رسمية. فما كان منه صنع حبلا من ليف النخيل وتسلق السور. خرج إلى الصحراء وأقام متوحدًا في مغارة. وعندما عرض عليه ابونا انطونيوس السرياني (البابا شنودة الثالث فيما بعد) ان يصنع بابا لمغارته رفض ببساطته المعهودة وقال "هل يصنع الذئب بابا لجحره؟!".. وعندما سأله بعض الرهبان كيف يقضي يومه اجاب بالتعبير المألوف في التدبير الرهباني "قليل صلاة.. قليل قراءة. قليل عمل" ولكن هذا القليل كان كثيرا جدا، واما القليل حقيقة فكان كلا من الطعام والنوم.. واما عن عمل اليد، فكان ضفر الخوص.حيث يصنع منه قففا صغيرة لحفظ الخبز الشخصي للراهب، كما كان يعمل في ضفر الليف ليصنع منها الحبال، وقدكان يرسل الحبال الى الدير لاستخدام العام في حين يهدي كل راهب جدي سلة خبز. وكان يبدأ في بعض الاوقات في عمل القفة وهو في طريقه من المغارة الى الدير ثم يكملها على باب الدير، ليتركها لاحد الاباء كهدية.

نحن نعرف ان الصلاة هي ترمومتر الحياة الروحية فمن كانت صلاته فاترة كانت قامته الروحية ضعيفة ومن كانت صلاته حارة كانت قامته الروحية عالية. وكان الاب عبد المسيح احد جبابرة البأس في الطريق النسكي، كان يقضي قسما كبيرا من يومه في الصلاة. ويروي احد الرهبان وكان يزوره كثيرا انه كان يحفظ المائة وخمسين مزمورا. ونحن نعرف ايضا ان الله يتعامل مع اولاده بطريقتين: الاول: تلبية الاحتياج. والثاني: اسقاط الاحتياج. بمعنى ان الله يلبي احتياجات المبتدئين ويسد اعوازهم، بينما مع المتقدمين في الطريق الروحي يسقط هذه الاحتياجات بمعنى انه يجعلهم لا يحتاجونها. وفي نسكه كان حكيما فقد كان يتناول طعاما جعله يواصل الحياة في الجسد حتى الثمانين.

في التدبير الرهباني هناك منهجان في الزهد، اولهما: التجرد من اية مقتنيات عملا بتعليم الانبا موسى الاسود الذي قال "محبة المقتنيات تزعج العقل، والزهد فيها يمنحها استنارة" والثاني هو: عدم التعلق بالمقتنيات والذي صاغه احد الاباء بقوله "لايضيرنا امتلاك الشئ، ولكن يضيرنا حزننا على فقدانه". العجيب انه لم يكن متشددا بلا فهم، او مغال في سلوكه وحسب، وانما كان مرنا فعلى الرغم من قناعته الشديدة بضرورة البعد عن العالم، نراه يترك مغارته عدة مرات، اما الى وادي النطرون او الى القاهرة او الى الاسكندرية، على انه يقضي الايام القليلة خارج مغارته بنفس طقسه وبالتالي يعود ثانية الى مغارته و كأنه لم يتركها!.. كانت الفضيلة راسخة في اعماقه فالفضيلة عمل روحي ولها جذور عميقة في نفس الانسان الروحي بينما العادة تأثير سطحي مجرد قشور نتيجة للجهد البشري وليس من ثمار الروح. قال مرة لاحد الرهبان: ان الله اعطانا السلطان لا لنقتل هذه المخلوقات (الثعابين والعقارب) بل لننجو من ضررها فقط. وعندما سأله احدهم مرة: "الا تخاف من ان يهاجمك ذئب، فاجاب بفرحوتعجب "وهل يهاجم الذئب ذئبا؟!"

عاش أبونا عبد المسيح قرابة خمسين عامًا في الرهبنة، قضي أغلبها كمتوحدٍ في مغارة بجوار دير البراموس. وإذ شعر بقرب رحيله من العالم أراد أن يموت بأورشليم، وكانت العلاقات بين مصر وإسرائيل مقطوعة وعدائية. ولكنه أصرّ أن يذهب إلى القدس علي قدميه، فكان من المستحيل تحقيق ذلك لأسباب سياسية. أخيرًا اقتنع بأن يمكث في القاهرة لحين عمل جواز سفر أثيوبي له وأخذ تأشيرة دخول لبنان وسوريا ومن هناك يذهب إلى القدس.عاش قرابة سنة في حجرة تحت السلم بمبنى الكلية الإكليريكية، ثم جاء إلى الإسكندرية للسفر من الميناء البحري. وبعد فترة قصيرة من وجوده باورشليم رحل إلى الفردوس.
مستوحاة من حياة ابونا عبد المسيح الحبشي

الخميس، 19 ديسمبر 2013

القديسة سيسيليا


زواج عجيب:
وُلدت في بداية القرن الثالث. كانت من أشراف روما ونشأت نشأة مسيحية، وكانت تلبس ثوبًا خشنًا تحت الملابس التي تليق بطبقتها. وكانت تصوم عدة أيام في الأسبوع ووضعت في قلبها أن تظل عذراء من أجل محبة الله. ولكن والدها كان له رأي آخر، إذ زوجها من أحد شباب الأشراف اسمه فالريان Valerian. قبل زفافها بثلاثة أيام، دخلت سيسيل حجرتها وأغلقت على نفسها واعتكفت للصلاة تطلب مشيئة الله ومعونته لتحقيقها. طلبت منه أن يسندها في تحقيق نذرها له بأن تعيش بتولًا. كما طلبت منه أن يصنع رحمة مع خطيبها فيقبل الإيمان بالسيد المسيح وأن يحب حياة البتولية.

بعد صلوات حارة نامت سيسيل فرأت في حلمٍ ملاكًا يطمئنها بأن الرب قد استجاب طلباتها.

في يوم عُرسِها، وسط الموسيقى وصخب المدعوين جلست سيسيليا في أحد الأركان ترنم لله في قلبها وتصلي طالبة المعونة منه. حين اختلت مع زوجها في حجرتيهما استجمعت شجاعتها وقالت له برفق: "عندي سر لابد أن أقوله لك. يجب أن تعرف أن لي ملاك من الله يراقبني، وإذا اقتربت مني كزوج فإنه سيغضب منك ويؤذيك، ولكن إذا احترمت عذراويتي فسوف يحبك كما يحبني". أجابها فالريان: "أريني هذا الملاك، فإذا كان من الله فعلًا فسوف أبتعد عنكِ كما ترغبين". فقالت له القديسة: "إذا آمنت بالواحد الحيّ وقبلت المعمودية فسوف ترى الملاك".

وافق فالريان وذهب ليبحث عن الأسقف إربان Urban وسط الفقراء الذين استقبلوه بكل ترحاب، ثم ظهر الأسقف القديس يحمل المكتوب التالي: "رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة. واحد هو الله أبو كل أحد وفوق كل أحد وفي كل أحد".

سُئل فالريان: "هل تؤمن بهذا؟" ولما رد بالإيجاب عمَّده الأسقف، ثم عاد إلى سيسيليا فوجد إلى جوارها يقف ملاك، ثم تقدم الملاك ووضع على رأس كل منهما إكليل زهور. وعبقت رائحة جميلة لم يسبق أن اشتمها من قبل.


إيمان أخ زوجها:

كان لفالريان شقيق اسمه طيبورتيوس أو تيبورتيوس Tiburtius، فتكلم فالريان مع شقيقه عن الله الواحد الحقيقي. أظهر طيبورتيوس في البداية عنادًا وكان يسأل: "من هو الذي قام من القبر حتى يخبرنا عن تلك الحياة الأخرى؟" فأخذت سيسيليا تكلمه طويلًا وحدثته عن السيد المسيح، فآمن هو الآخر ونال المعمودية وللحال اختبر أشياءً مدهشةً. من تلك اللحظة كرَّس الشقيقان نفسيهما للكرازة بالسيد المسيح وأعمال البرّ.


القبض على الزوج وأخيه:
بسبب غيرتهما وحماسهما في دفن أجساد الشهداء قُبِض عليهما وأُحضِرا أمام ألماخيوس Almachius الوالي. بدأ الوالي يستجوبهما، فأجابه فالريان أنه هو وشقيقه يؤمنان بيسوع المسيح ابن الله، ثم بدأ يقارن بين أمجاد السماء الأبدية وأفراح العالم الزمنية. لكن ألماخيوس قاطعه وأمره أن يُخبِر المحكمة إن كان يوافق أن يذبح للآلهة فيطلق سراحه. أجابه الشقيقان بصوت واحد: "ليس للآلهة بل لله الواحد نقدم له ذبيحة يومية".

أمر الحاكم بجلدهما فذهبا فرحين، وكان فالريان يقول للمسيحيين الحاضرين: "لا تجعلوا تعذيبنا يخيفكم ويبعدكم عن طريق الحق بل اثبتوا في الله الواحد، واطرحوا تحت أقدامكم الأوثان الخشب والحجارة التي يعبدها لماخيوس". ومع هذا كان الحاكم مستعدًا للعفو عنهما إن هما تراجعا.


استشهادهما:
مستشار الحاكم أخبره بأنهما سيستفيدان من الوقت في توزيع ممتلكاتهما وبهذا يحرمان الدولة منها، فحكم عليهما بالموت وقطعوا رأسيهما على بعد أربعة أميال من روما. واستشهد معهما أحد المسئولين في الدولة اسمه ماكسيموس Maximus الذي أعلن إيمانه المسيحي حين عاين شجاعة الشهيدين وثباتهما.


سيسيليا الكارزة:
دَفَنت سيسيليا أجساد الشهداء الثلاثة، ثم جاء دورها لكي يُطلَب منها أن تنكر إيمانها، وبدلًا من أن تفعل ذلك استطاعت أن تحوّل كل الذين أتوا إليها لهذه المهمة، حتى أن الأسقف إربان حين أتى لزيارتها في منزلها عَمَّد 400 شخصًا.

كان أحدهم ويدعى جورديان Gordian رجل ذو مكانة في الدولة، أنشأ كنيسة في منزله كرَّسها الأسقف إربان فيما بعد.


استشهادها:
أخيرًا أُحضِرت القديسة إلى المحكمة، فأخذ ألماخيوس يجادلها محاولًا التأثير عليها، فكانت تسخر منه ومن كلامه، فحكم عليها أن تُخنَق في حمام منزلها، ومع أن النيران حُمِّيَت سبعة أضعاف إلا أن القديسة ظلت يومًا وليلة دون أن يصيبها أية أذية، فأرسل الوالي إليها أحد الجنود ليقطع رأسها.

ضربها الجندي ثلاث مرات على عنقها وتركها ملقاة ظنًا منه أنها ماتت، إلا أنها ظلت حيّة ثلاثة أيام تنزف دمًا، أتى خلالها المسيحيون ليكونوا إلى جوارها، وسَلَّمت الأسقف إربان منزلها ليكون تحت رعايته، ثم دُفِنت بعد ذلك في عام 230 م. العيد يوم 22 نوفمبر.

القديس دون بوسكو


القديس يوحنا دون بوسكو: ولد في سنة 1815 في تورينو بإيطاليا. وكان والداه فلاحين فقيرين ممتازين بالتقوى وصلاح السيرة وهما فرنسيس بوسكو ومرغريتا أكيانا. وصبغاه بمياه المعمودية في اليوم الثاني لميلاده. وما أن بلغ أبوه العقد الثالث من سنيه حتى توفي كهلاً فاحتضنته أمه العطوف. وهكذا ذاق مرارة اليتم ولوعة الفقر وهو بعد في ربيعه الثاني. لكن الله اعده ليربي ألوفاً من اليتامى المهملين. اعتكفت مرغريتا على الشغل في الحقل لتنهض بمعيشة أيتامها البنين الثلاثة، وجعلت تلقنهم مبادئ التعليم المسيحي وتسهر على آدابهم بكل قواها، ولم تقتصر على ذلك بل مرنتهم على الحراثة وعلى الشغل ليكسبوا معيشتهم بعرق جباههم. 
وما أن بلغ يوحنا الربيع التاسع من عمره حتى جرى له حادث خطير دبرته العناية الإلهية وحملته على التفكر فيه في كل أدوار حياته. فقد رأى حلماً أثر فيه تأثراً شديداً. فشاهد نفسه واقفاً أمام منزله يحف به جم غفير من فتيان يضجون ويعجون ويقذفون من أفواههم شتائم قبيحة وتجاديف فظيعة. فحاول أن يسكتهم ويردعهم بالنصح ثم بالتهديد والضرب واللطم فلم يصغوا أليه ولم يرتدعوا. ثم شاهد شيخاً جليلاً يدنو منه ويقول له: "إن شئت اكتساب صداقة هؤلاء الفتيان ومحبتهم فأرفق بهم ينقادوا إليك باللين لا بالخشونة ". فأمتثل يوحنا أمر الشيخ، ثم شاهد في حلمه وحوشاً ضارية استحالت إلى خراف وديعة، وسمع صوتاً رخيماً كأنه نغمة قيثارة سماوية تترنم به عذراء شهية وتقول له: " خذ عصاك وأمضِ إلى المرعى. وستدرك فيما بعد مغزى هذه الرؤيا". وعند الصباح قص يوحنا على أقاربه ما حلم به فقالت له والدته: " لعلك يا بني تصير كاهناً ". فرد على أمه بالقول: " يا أماه إذا بلغت الكهنوت فسأضحي بحياتي حباً للأحداث. سأحبهم وأحببهم إليّ. سأبذل لهم النصائح المفيدة وأعتني بخلاص نفوسهم!". 
باقي السيرة تجدها في الرابط التالي:
http://www.marnarsay.com/News_2010/Tethkarat/Tethkart_080.htm

الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

القديس باتريك مبشر ايرلندا

ولد بترك Patrick عام 389 من أب فلاح يعمل في أرضة في وادي نهر سيفرن في إنجلترا، وكانت جيوش الدولة الرومانية تخشى تلك المناطق بسبب القراصنة، وفعلاً حدث أن هاجم هؤلاء القراصنة بلدة بترك وحملوه عبداً باعوه في ايرلندا، ولم يحمل معه شيئاً إلا حديث أبيه كالبرنيوس عن الله وعظمته وجلاله، فكان يصلي إلى هذا الإله وهو يرعي الخنازير لسيده الذي اشتراه وكان وثنياً، فكان كثير الاختلاء في الغابات والصلاة ليلاً في ضوء القمر، ولذا كان يضربة سيده أما هو فكانت كلماته "شكراً لله" وبعد غربة ستة سنوات استطاع أن يهرب في سفينة ليلاً تحمل كلاب صيد لبيعها في إنجلترا، قذفته علي الشاطئ دون أن يعرف أين هو.
بعد شهور من التيه وصل إلى أبيه وبعد فترة أحس انه يريد أن يبشر الايرلندين بالمسيح، فذهب إلي بلاد الغال حيث تعلم اولا الكثير عن المسيح حيث كانت هناك الأديرة ومدارس الدين وذلك ليعد نفسه ثم اصبح مرسلاً إلى ايرلندا فوصلها عام 432، وكان قد وصلها من قبلها بزمن بعيد رهبان القديس اثناسيوس، فبني لهم كنائس من الخشب ودعاهم الي المسيح فتجمع كثير من الشبان الذين ترهبوا وعلمهم بعض المهن كي يتعيشوا منها.
اما ملك الجزيرة فاذ كان رجلا شريرا فقد اعد له كمينا هو واتباعه ولكن الرب نجاه منه وأسس هناك أسقفية اذ تكاثر عدد المؤمنين.

الخميس، 13 أكتوبر 2011

توما الإكويني

ولد Thomas Aquinas في قرية اكوينو الواقعة بين روما ومونت كاسينو في سنه 1224 في اسرة كريمة، وتلقي تعليمه الأول في دير سانت كاسينو ثم تم دراسته بعد ذلك في مدرسة نابولي.

ورغم انف أسرته انضم في عام 1243 إلى صفوف الدومنيكان الذين أرسلوه للعمل تحت رئاسة البرت اوف كولون الذي كان واحد من كبار الاساتذه في كولون، وقد قضي مع هذا الأستاذ عده سنوات في كولون وباريس وفي عام 1257 حصل توما علي درجه الدكتواره.

وفي عام 1252 طلبوه ليكون معلماً في باريس، ومن ذلك التاريخ راح يدرس ويكتب الي، توفي في عام 1274 وكان يومها في طريقه لحضور المجمع العام في مدينة ليون وقد عاش الاكويني حياة التقوي والورع في ظل النظام الدومنيكاني، كما انه ساهم مساهمة نافعه في نشر المعرفة والتعاليم الدينية في عصر عنت فيه المعارف وكان متأثرا باراء ارسطو وأفكاره في علم المنطق، تلك الأفكار وهي في القرن 12 م كانت مدخله الي دراسة الكتاب المقدس.

وكسائر اتباع النظام الدومنيكاني لم يعترف الاكويني بعقيدة الحبل بالعذراء بلا دنس التي كانت من أهم العقائد في الأيمان الكاثوليكي وفي الجدل العقائدي الذي ثار بين الكنيستين الشرقية والغربية لعب هذا العالم الجليل دور كبيراً.

وقد اشتهر توما الاكويني بموسوعة اللاهوتية الكبيرة التي قسم فيها أبحاثه الي أقسام ثلاثة القسم الأول خصصه للإلهيات والقسم الثاني يدور البحث فيه حول الإنسان والقسم الثالث كان موضوعه هو شخص السيد المسيح كانسان واله معاً.

ففي الجزء الأول يتعرض الكلام عن: وجود الله، طبيعته، والله عنده هو المحرك الأعظم أو العله الأولى لجميع الأشياء، فهو البداية والنهاية والمنتهي لكل شئ في الوجود.

وفي الجزء الثاني، تحدث عن الإنسان كمخلوق ساقط، لكنه رغم كل هذا وفي وسعه، يتمتع بالفداء بعد ذلك يتطرق لبحث السلوك الإنساني بفضائله ورذائله، ثم يدرس موضوع الناموس والنعمة

بينما في الجزء الثالث يتحدث عن المسيح الفادى الذي فتح للإنسان طريق العودة الي الله وقد استخدم الاكويني اتساع معرفته بالكتب المقدسة في إثبات صحة العقائد الكنسية كما كتب شرحاً لبشائر الإنجيل ورسائل بولس الرسول استند فيه الي أقوال أباء الكنيسة.

وفي عام 1323 قرر البابا يوحنا 22 التصريح بتداول مؤلفاته الاكويني.

بونيفاس، مبشر هولندا و ألمانيا

بعد أن رسخت المسيحية أقدامها في إنجلترا، فكر أهلها في أرسال مبشرين إلي بقية القارة في النصف الأخير من القرن الثامن، كان انتشار المسيحية في هولندا و بلجيكا وشمال ألمانيا، قائماً علي أكتاف نفر قليل من شتات الرسل الذين وفدوا في أر لندا.

وكان نصيب هولندا وألمانيا المبشر بونيفاس الذي وجد في نفسه من حداثته رغبة جادة لحمل رسالة الإنجيل إلى ارض ابائة وأجداده التي رحلوا منها أولا قبل أن يستوطنوا إنجلترا، فكان أول أسقف إنجليزي مرسل ختم حياته بالاستشهاد بيد الوثنيين.

وان كان بونيفاس بذل جهوداً في مناطق هولندا وألمانيا معا كانت مملكه الفرنجة التي كان يحكمها شارل ما رتل (في شمالي فرنسا وغرب ألمانيا) وكان بين الفرنجة المسيحيين وبين الإقليم الذي هو هولندا ألان (فريزيا يومئذ) عداء شديد وحروب هوالية، ولكنهم انضموا بعضهم لبعض أمام الغزو الإسلامي في ذلك الوقت مما سهل مهمة بونيفاس، واصبح رئيس أساقفة ألمانيا.

نشأة بونيفاس:
 ولد بونيفاسيوس Saint Boniface في بلده صغيرة في تلال ديفون عام 670 وكان يسمي (وينفرد) معناه الجميل الجذاب، وتربي علي السلام والوداعة والمحبة.

ولما بلغ السابق من عمره أرسله أبواه إلى مدرسة من المدارس التي كانت ملحقة لدير في ذلك العصر، ليتعلم القراءة والكتابة، فكان صبياً مجتهداً، انتقل بعد إنهاء الدراسة بها ألي مدرسة اعلي علي قرب من مانشستر، وفي هذه المدرسة تعلم الشعر والتاريخ ودراسة الكتاب المقدس حتى اصبح عالماً كبيراً، وقدر له عرفوه انه سيكون يوما رئيساً لذلك الدير.

ولكن أحلام الصبي لم تقف عند هذا الحد وانما كان يحب أن يحمل رسالة المسيح إلى قبائل الوثنية في بلاد الجرمان التي هاجر منها إباؤه وأجداده واستوطنوا هذه الجزر التي ولد فيها، وفاتح أحباءه في هذا فواقفوه علي هذا.

فذهب إلى لندن سيرا علي الأقدام ونزل هو وبعض أصدقائه سفينة من الخشب حملتهم إلى ساحل هولندا، فوجد هولندا في حرب مع شارل مارثل الفرنسي. فأحس بخيبة الأمل إذا لم يكن الوقت مناسباً للتبشير فعاد مره أخرى إلى إنجلترا وكانت تنتظره مسألة أخرى هي انه لما عاد إلى ديره وجد رئيسه قد مات وطلب الرهبان منه أن يكون رئيساً للدير، فرفض لان هذا سيمنعه من فكرته وهي التبشير بين الوثنيين.

ففكر أن يعود إلى التبشير عن طريق السفر إلى أوروبا واستئذان البابا هناك للذهاب للتبشير في القبائل التي تسكن عند جبال الألب في وسط أوروبا.

وفعلاً سافر عن طريق فرنسا وعبر جبال الألب ألي روما وقابل البابا اغريغوريوس الثاني فاعجب البابا به جداً وآذن له في التوجه إلى ألمانيا.

واثناء سفرة علم بموت ملك هولندا الشرس الذي كان يحارب شارل مارثل ملك فرنسا، واحس أن البابا قد فتح أمامه أليها، فاتخذ طريقة علي الجبال إلى هولندا حيث التقي بمبشر أخر يدعي (وليبورد)، وفي أثناء رحلتهما واجها كثير من الأحداث.


ولما وصل بونيفاس إلى عمله بين قبائل الكون في ألمانيا وجد بعضهم راسخين في الدين الجديد وبعضهم يحتفظ بالوثنية إلى جانب المسيحية، وكانوا شعوباً تعسين والغابات والجبال والبرك فكانوا شرسين تعرضوا لبونيفاس وزميلة بالقتل ولكن بونيفاس اجري أمامهم تعليماً عملياً إذ وجدهم يقدسون إحدى الأشجار علي أنها تجلب لهم الحظ والحياة وان من يتناولها لا يموت فقام أمامهم وقطعها ولم يحدث له شئ، وهنا أفهمهم أن المسيحية هي الدين الحق.
وكان يسير بين الناس ويعظهم ويعمدهم ويقيم الكنائس، ويجمع الأموال للصرف علي الأرامل والأيتام، فأحبة الناس إذ كان يعتمد علي القدوة اكثر من العظات لانه لم يكن يتقن اللغتين الألمانية أو الهولندية، فكان أيمانهم بالأعمال اكثر من الأقوال.
ولما بلغ الخامسة والسبعين من عمرة القي بونيفاس أردية الأسقفية جانبا ولبس ملابس الرهبان العادية الخشنة وشرع مع 12 من زملائه وكان في ألمانيا وذهب إلى هولندا وعمل هناك واحبة كل الهولنديين.
وفي يوم من أيام صيف عام 755 نصب بونيفاس خيمته علي شاطئ البحر ليجذب بقية الشعب إلى عظاته أن اقبل علية فجأة قوم في شكل عصابة مسلحة بالرماح والتروس وقتلوه هو وزملائه ونال إكليل الشهادة.

القديس فرنسيس الأسيزي



 هو واحد من اعظم القادة الدينيين الذين كانوا فرسان العصور الوسطي في عالم المعرفة الروحية، ولد في مدينة اسيس (أسيسي أو أسيزي) في عام 1182 وكان أبوه واحد من كبار تجار المنسوجات، في منطقه وسط إيطاليا وكانت أمه فرنسية اخذ عنها حب الموسيقي والفناء، وعلي الأخص أناشيد الفروسية التي كان بتغني بها الشعراء المتجولون كان اسمه الأصلي يوحنا برنادون، أطلق عليه اسم فرانز ومعناه الرجل الفرنسي ربما لتعاطفه مع الجنس الفرنسي أو حبه للروايات الفرنسية.
وقد اشتهر في أول عهده بالإسراف في أنفاق المال ومنافسة أبناء النبلاء في الاناقه وحب الملبس الفاخر لكنه منذ البداية كان محباً للفقراء والمساكين ويمكن انه كان ذات يوم مشغولاً ببيع المنسوجات لاحد تجار المدينة فمر به شحاذ يطلب إحسانا فلما فرغ من البيع كان الشحاذ قد مضي وتركة فما كان من فرانز ألا انه ترك تجارته وبضاعته وراح يركض في الطرقات بحثاً عن هذا الشحاذ وما أن وجده حتى أعطاه مالاً كثيراً ولما كبر فرانز (فرنسيس) انخرط في سلك الجيش وانضم الي جماعات المحاربين الذين كانوا منتشرين في مدينه اسيسي فكان أشجع فرسان عصره.
وفي شبابه أصيب بمرض شديد وبينما هو يتألم في فراشة سرح بفكره في السيد المسيح وانتابه نشاط ديني جعله ينشغل بالله ويتجه الي إظهار نشاط كبير في خدمه المحتاجين وبدلا من الاتجاه الي أشبه ميوله نحو الفروسية وجه كل اهتمامه نحو المنبوذين والبؤساء وبالأخص المصابين بالبرص عندما كان الناس يأنفون منهم. ويقال لن كان ذات مرة يمتطي جواده واثناء مروره في أحد الشوارع قابل آنسانا ابرصا، ففكر في أن يرجع من الطريق الأخر ولا يري الإنسان، ألا انه عاد الي نفسه ليقاوم هذا ألا حساس وقفز بحصانه الي الإمام وما أن اقترب من هذا الأبرص حتى نزل من ظهر حصانه وركض نحو الرجل وقدم له شيئاً من المال ولكنه أحس بأنه لم يفعل شيئاً يستحق الذكر فعاد الي الرجل واحتضنه وقبله.
وذهب بعد ذلك الي مستشفي للبرص في اسيسي واشترك في إسعاف نزلائها وتعامل معهم لامراض يأنف منهم الناس ولكن كاخوة في المسيح وكان غريباً في تلك الأيام، يهتم الناس بالبرص أو يظهروا لهم الحنان.
كذلك اظهر فرانسز اهتماماً عظيماً بتعمير بعض الكنائس القديمة المهدمة والمهجورة وهو بهذه الإعمال كان يعبر عما يعتمل في نفسه من شوق غامر ورغبه عارمة في خدمه الله.
وقد غضب عليه أبوه وحاول، يمنعه من هذه الخدمه التي كان قد كرس نفسه لها ولكنه فشل في منعه واستمر في خدمته فاعتبره أبوه عاقا أو أصابه مس من الجنون.
ولكن فرانسز أعلن هذه في مال أبيه وممتلكاته وراح يجول العالم كرجل فقير. توجه بعد ذلك الي إحدى الكنائس وفي أثناء خدمته سمع الكاهن يردد الجزء من الإصحاح العاشر من بشارة القديس متي البشير والخاص بإرسال يسوع تلاميذه الي العالم لكي يكرزوا ببشارة الملكوت فاعتبرها فرانسز دعوه خاصة موجهه إليه من الرب رأسا فأطاعها في الحال.
ومع انه كان علمانياُ ألا انه راح يعظ في المدينة بطريقه فعاله ومؤثرة لانه كان يقدم للناس المسيحية في بساطتها وكان الفعل الأكبر في تأثيره علي سامعيه راجعاً الي إخلاصه ومحبته ليسوع خاصة عندما رآه الناس وقد تخلي عن كل اراداته وامواله ومقتنياته وملابسه الانيقه الفاخرة، حتى أصدقاءه هجرهم وراح يتجول مرتدياً جلبابا ً من الصوف الأحمر وحول حقويه منطقه من جلد ورغم هذا الحرمان الذي فرضه علي نفسه لم ينقصه شئ من فرحه وغبطته وخفه روحه هذه الخصال كلها جذبت الناس إليه والي طريقته في خدمه السيد المسيح.

خدماته الكثيرة:
انضم إلية اثنان من آهل بلدته وبعد فترة قصيرة التف حوله عدد من الشبان الذين تنافسوا علي الخدمه ومعرفه الرب يسوع وكان أحدهم تاجراً باع كل ما يملك أعطاه للفقراء واختار أن يحيا حياة الفقر الاختياري، التي فرضها فرانسز علي نفسه وبعد ذلك راح يفكر في تكوين أخوية يحيا أفرادها معا ويكرسون ذواتهم لخدمه أخواتهم في الإنسانية باسم المسيح. وقد بدأ تكوين الاخوية الفرنسيسكانية في عام 1209 أو 1210 بعد، حصل فرانسز من البابا انوسنت الثالث علي موافقته المبدأية علي نظام جماعته.
ومنذ البداية أعلن فرانسز لاتباعه انه لا يريدهم ان يعتزلوا في الدير، ولا ان يركزوا اهتمامهم علي خلاص أنفسهم فقط، ولكن عليهم أن يذيعوا بين الناس محبه المسيح. راح افراد الاخوية يتجولون من قريه إلى أخرى، ومن مدينه إلى مدينه يذيعون الأنباء السارة (الإنجيل) بين الناس مقتدين بسيدهم الذي كان يجول يصنع خيراً، فخدموا الفلاحين في قراهم، والتجار في ساحات أسواقهم، وسكان المدن في مجتمعاتهم، ووجهوا عناية خاصة للمرضي بالبرص.
لم يكن مصرحاً للراهب الفرنسيسكاني أن يمتلك اكثر من عباءة ورداء وكتاب مقدس وقلايه في دير، وكانوا يكرهون المال كراهية شديدة، ربما كان ذلك بسبب الضربة القاصمة التي أصابت رجال الدين في تلك الأيام، وكرد فعل لها. ويحكي ان واحداً من هؤلاء الرهبان انه جاء مرة ومعه قطعه من النقود فما ان رآها القديس فرانسز معه حتى أخذها منه، وبعد أن نظر أليها بازدراء القي بها في روث البهائم.
كان فرانسز ورفاقه يسيرون جماعة معاً، مهللين مترنمين بمحبة الله، فكانوا يجذبون الناس إليهم، وعرفوا بين الناس برجال الله الفرحين، وقد استمدوا هذا الفرح من رئيسهم الذي كان دائماً هكذا.
في ذلك الوقت كان المسيحيون منشغلين بالحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، بسبب وضع المسلمون ايديهم علي الأماكن المقدسة المسيحية، وفي غمرة هذا النزاع نسي المسيحيون واجبات الكنيسة، كما نسوا أن المسيح يحب ولا يكره، بينما لجاوأ هم إلى الاقتتال!لكن فرانسز نادي بوسيلة أخرى غير هذه، وغامر بالوقوف في وجه هذا التيار الجارف، وكان يقول: "ماذا نجني من وراء قهر السلطان؟ ولماذا لا نكسبه بالمحبة بدلاً من القتال؟"
وفي عام 1218 أبحر مع جماعة من رفاقه حاملين دعوة الحب والسلام، فنزل إلى مصر وانضم إلى جيش الصليبيين، وكانوا يومئذ في حملتهم الخامسة وذات يوم تسلل خفية إلى معسكر المسلمين هو وأخ أخر له، وكان الاثنان يعلمان تماما مدي خطورة هذه المغامرة، لكنهما تشجعاً وتقدماً في هدوء، وفي أثناء سيرهما كانا يرددان كلمات المزمور الثالث والعشرين " الرب راعي فلا يعوزني شئ..." وفجأة وقعا في اسر العرب، فقيدوهما بغلظة، واوقفوهما أمام ضابط الجيش بدعوى انهما جاسوسين، وباستجوابهما أجاب فرانسز: "لم يرسلنا أحد من البشر، لكن الله هو الذي أرسلنا لكي نحمل إليكم رسالة محبة بدل هذه الحرب التي يشنها عليكم بنو قومنا".
فتفرس فيهم السلطان مبهوتا، واستمع إلى أقواله باحترام وانتباه، كما اعجب بشجاعته وغيرته ومغامرته في التسلل إلى معسكرات أعدائه، واستبقاه أياما في ضيافته، واحسن معاملته، وبعد أحاديث طويلة دارت بينه وبين السلطان، عاد فرانسز مشيعاً بالحفاوة والإكرام بعد ما اظهره للامير العربي جانباً من جوانب محبة المسيح، محبة طغت علي مظاهر القتال العنيف الذي كان محتدماً آنذاك بين المسيحية والإسلام.

انتشار النظام الفرنسيسكانى:
سرعان ما انتشر النظام الفرنسيكاني أو (الاخوة الأصاغر)، إذ حذا حذو فرانسز كثيرون من أغنياء التجار، وعاشوا حياه الزهد والتقشف، وقضوا أوقاتهم في الصلاة والتعبد والخدمة، والعناية بالمرضي وبخاصه البرص، واشتغلوا بأيديهم في الحقول والمزارع لكسب قوتهم بعرق جبينهم، وعندما كانوا لا يجدون عملاً كانوا يشحذون، ومن ثم سموا بـ "الرهبان الشحاذون".
وعندما انعقد مؤتمرهم السنوي سنه 1217م، كانت لهم فروع في ألمانيا وهنغاريا وأسبانيا، وبدأ يرسلون الإرساليات والبعثات التبشيرية إلى المناطق الوثنية، غير مبالين بما ينتظرهم هناك من أخطار، الأمر الذي أدي إلى اعتراض أحد الكرادلة علي هذا النوع من الخدمة، فقال له فرانسز " أتظن، الله قد سمح بقيام هذا النظام من اجل الخدمه في بلادنا فقط؟ الله قد دعانا للخدمة بين الناس من جميع الأجناس لأنها من حياتهم الروحية وقيادتهم إلى الخلاص."
وفي عام 1220م بعدما عاد فرانسز الاسيس من رحلته التي قام بها إلى الشرق، ألمه كثيراً ان يري المسؤولون عن الكنيسة الذين أوكل إليهم أمر الأشراف علي الاخوية، قد ابتعدوا بالنظام عن دعوته الأصلية، فقد كان فرانسيس يدعو اتباعه إلى التجرد الكامل وعدم امتلاك شيء ما، كما انه كان يري ان الأديرة التابعة لنظامه يجب ان تتميز عن غيرها من الأديرة التي كانت منتشرة في ذلك العهد، والتي كانت تملك إقطاعيات واسعة، فهو كان يري في حياته وحياة تابعيه حياة السيد المسيح الذي لم يكن له أين يسند رأسه وكان مقتنعا تماما بان عدم امتلاك شيء من حطام الدنيا، هو السبيل إلى التحرر من هموم العالم لانه لا يستطيع إنسان ان يخدم سيدين. لقد رأي فرانسيس عند عودته بعضاً من أخوته بدأ يمتلك بعض المقتنيات، كما أحس انه لم يعد في مقدوره الاستمرار في الإشراف علي هذا النظام، وربما يكون قد اقتنع كذلك بان الرهبان لا يستطيعون ان يدبروا أمر أنفسهم بأنفسهم، خاصة وان أعدادهم كانت قد زادت زيادة كبيرة، فطلب من البابا ان يتولي الأشراف علي النظام الفرنسيسكاني كله، واستعفي هو من ادارته.
وشيئاً فشيئاً عاد هذا النظام كغيره من الانظمه الرهبانية الأخرى إلى الضعف ومات فرانسز الاسيس St. Francis of Assisi وهو في الخامسة والأربعين من عمره بعد ان حاز شهره كبيرة.

اثار الفرنسيسكان فى تلك الفترة:
لعب الفرانسيسكان دواراً كبيراً في نشر العلم، فحيثما ذهبوا انشأوا المدارس واهتموا بالتعليم. ومن الانتقادات التي وجهت إليهم انهم بدلا من تخريج صفوف من علماء الكتاب المقدس والقادة الدنيين، وجهوا جهودهم كلها إلى إنشاء المدارس ونشر العلم. إلا وان هؤلاء النقاد فاتهم ان نشر العلم بين الناس خدمة يدخل الدين من خلالها.
نجح الفرنسيسكان كذلك في نشر تعاليم الكنيسة الكاثوليكية في بلاد الشرق، وذلك عندما نجحت إحدى الحملات الصليبية في إقامة مملكه لاتينية وبطريركية لاتينية. كما لعبوا دوراً أيضا عندما اكتسح التتار أقطار أوروبا، فحصلوا من المغول علي تصريح بتقديم خدماتهم بين الناس. وحيثما مارس الفرنسيسكان خدماتهم، كانت هذه الخدمات تؤدي إلى إنعاش الحياة الدينية بين الناس، لهذا تعددت طلبات أر سال بعوث إليهم لتقديم رسالة الإنجيل وخدمات المحبة. وقد عاصر ظهور الفرنسيسكان ظهور النظام الدومنيكاني، وقد تأثر كل من النظامين بالأخر، واظهر كل منهما غيره عظيمة في تقديم المواعظ للناس. ومما هو جدير بالذكر ان الفرنسيسكان والدومينيكان لعبوا دوراً كبيراً في مساندة البابا ومعاونته وتحقيق الصورة التي طالما راودت خيال البابا انوسنت الثالث.
ومن الفرنسيسكان ذهب مرسلون كثيرون إلى إنحاء العالم ومازال نشاطهم واضحا في العالم كله.