‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتباسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتباسات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 1 مايو 2021

يهوذا الخائن

يَرغَب يهوذا بالبقاء مع يسوع، ولكنّ هذه الرغبة تَصطَدِم بممانعة المعلّم. «إنّي أتوق إلى البقاء وحيداً في ساعات الليل يا يهوذا، ذلك أنّ روحي تتناول غذاءها مِن الآب أثناء الليل، فالصلاة والخلوة والتأمّل هي أكثر ضرورة لي مِن الغذاء المادّيّ. فمن يُرِد أن يحيا بالروح ويجعل الآخرين يحيون الحياة ذاتها عليه أن يجعل الجسد في المرتبة الأخيرة -بل أكاد أقول إماتَته- ليَصُبَّ كلّ اهتماماته على الروح. هذا حقيقيّ بالنسبة للجميع يا يهوذا. ولكَ كذلك، إذا كنتَ ترغب حقّاً بالانتماء إلى الله، أي إلى الفائق الطبيعة".

«ما الذي ينبغي لي تحاشيه يا معلّم؟»


«كلّ ما تعرف أنّه يجعلكَ تَضطَرب. فالله هو السلام. وإذا أردتَ السير في درب الله فعليكَ أن تُزيل العوائق عن روحكَ وقلبكَ وجسدكَ، كلّ ما ليس سلاماً وما يَجلب معه الاضطراب. أعرف أنّه مِن الصعب تقويم الذات. ولكنّني هنا لأساعدكَ على تحقيقه. فأنا هنا لأساعد الإنسان كي يعود ابناً لله، كي يعود كما في وِلادة ثانية، في ولادة ذاتيّة يريدها بذاته. إنّما دعني أجيبكَ على ما كنتَ تسأله لكي لا تَدَّعي بأنّكَ بَقيتَ في التّيه بسبب خطأ منّي. حقّاً إنّ الانتحار هو قتل حقيقيّ، إن كان ذلك يخصّ حياتنا أو حياة الآخرين، فالحياة عَطيّة مِن الله، ولله وحده الذي أعطاها حقّ إمكانيّة انتزاعها. فَمَن يقتل نفسه يقرّ بكبريائه، والله يمقت الكبرياء.»


«يقرّ بكبريائه؟ أنا أقول بالأحرى بيأسه.»


«وما هو اليأس إن لم يكن مِن الكبرياء؟ فَكِّر يا يهوذا. لماذا ييأس الإنسان؟ لأنّ المصائب تتراكم عليه وهو لا يتوصّل بوسائله الخاصّة إلى التغلّب عليها. أو لأنّه مُذنِب، ويُقَرِّر مِن ذاته بأن الله لن يصفح عنه. وسواء في الحالة الأولى أو في الثانية، أفلا يمكن أن يكون الـمُسَيطِر هو الكبرياء؟ فالإنسان الذي لا يثق إلّا بذاته لا يَمتَلِك التواضع ليمدّ يده للآب ويقول له: "أنا لا أستطيع، إنّما أنتَ فقادر على ذلك. ساعدني، فأنتَ مَن تَمنَح كلّ ما أرجو وأنتَظِر". وذاك الرجل الذي يقول: "لا يمكن لله أن يَصفَح عنّي". فإنّه يقولها لأنّه حين يقيس الله بحسب مقاساته، يَعرِف أنّ أحداً إذا ما أُسيء إليه كما أساء هو إلى الله، فلا يمكنه أن يَصفَح. وهنا أيضاً كبرياء. أمّا الـمُتواضِع فيرقّ ويَغفر حتّى ولو كان يتألّم مِن الإساءة التي تَلقّاها. وأمّا الـمُتَكبِّر فلا يُسامِح. إنّه مُتَكَبِّر كذلك لأنّه لا يعرف أن يحني جبهته ويقول: "يا أبتِ لقد أخطأتُ، اصفَح عن ابنكَ المسكين الـمُذنِب". إنّما ألا تَعلَم يا يهوذا أنّ الآب سيغفر لكَ إذا كان الصَّفح مُلتَمَساً بقلب نزيه ونادم ومُتواضِع وراغب في القيامة في الخير؟»


«ولكن بعض الجرائم تجعل الصَّفح مستحيلاً، لا يمكن أن تُغفَر.»


«أنتَ مَن يقول هذا، وسوف يكون صحيحاً لأنّ الإنسان يريد ذلك. ولكن بالحقيقة، آه! الحقّ الحقّ أقول لكَ حتّى بعد جريمة الجرائم، إذا ما هَرَعَ الـمُذنِب إلى قَدَميّ الآب -يُدعَى أباً يا يهوذا لأنّه أب ذو كمال لا نهائيّ- إذا كان يُقَدِّم نفسه للتّكفير مُتَضَرِّعاً مِن أجل الصَّفح عنه باكياً، إنّما دون يأس، يَمنَحه الآب آنذاك وسيلة التّكفير ليستحقّ المغفرة ويُخَلِّص روحه.»


«إذاً تقول إنّ الرجال الذين ذَكَرَهم الكِتاب كقاتلي أنفسهم قد تَصَرَّفوا بشكل خاطئ.»


«ممارسة العنف مرفوضة مع الآخرين وكذلك مع الذَّات. هُم قد تَصَرَّفوا بشكل سيّئ، إنّما مِن خلال معرفتهم الناقصة للخير يَحصلون في بعض الحالات على رحمة الله. ولكن عندما يُنير الكَلِمَة كلّ حقيقة ويَمنَح القوّة للأرواح بروحه، اعتباراً مِن تلك اللحظة، لنَ يُغفَر لكلّ مَن يموت في اليأس، لا في الدينونة الخاصّة ولا بعد دهور مِن العذاب، ولا في الدينونة العامّة، أبداً. هل هذه قَسوة مِن الله؟ لا: بل هو العدل. سيقول الله: "لقد حكمتَ وأنتَ الكائن الذي وُهِبَ العقل والمعرفة فائقة الطبيعة، المخلوق حُرّاً مِن قِبَلي لتتَّبع الدرب الذي اخترتَ وقلتَ: ’الله لا يَغفِر لي، فأنا منفصل عنه إلى الأبد. بتقديري أنّه ينبغي لي مقاضاة ذاتي لجريمتي. أُفارِق الحياة هرباً مِن عذاب الضمير‘. دون التفكير بأنّ عذاب الضمير لم يكن ليطالكَ لو كنتَ أتيتَ إلى صدري الأبويّ. لذا فليكن لكَ حسب حكمكَ. ولن أغتَصِب الحريّة التي مَنَحتُكَ إيّاها".


هذا ما يقوله الأزليّ لَمَن يَقتل نفسه. فَكّر بذلك يا يهوذا: الحياة هبة ينبغي أن نحبّها. إنّما أيّة عطيّة هي؟ عطيّة مقدّسة. وإذاً يجب أن نحبّها بقداسة. الحياة تدوم طالما الجسد صامد. بعدئذ تبدأ الحياة الكبرى، الحياة الأبديّة. فالطوبى للأبرار واللعنة لِمَن هُم غير ذلك. هل الحياة هدف أم وسيلة؟ إنّها مرسومة للوصول إلى نهاية هي الأبديّة. فلنعطِ الحياة إذاً ما يلزم لتدوم وتَخدم الروح في أسرها. عفاف الجسد في كلّ شهواته، فيها كلّها. عفّة الفِكر في كلّ ميوله، فيها كلّها. طهارة القلب في كلّ الأهواء البشريّة. على العكس، فلتكن العواطف الآتية مِن السماء بغير حدود: حبّ الله والقريب، إرادة خدمة الله والقريب، الطاعة للكلام الإلهيّ، البطولة في الخير والفضيلة.


لقد أجبتُكَ يا يهوذا. فهل أنتَ مُقتَنِع؟ هل يكفيكَ هذا الشرح؟ كُن دائماً صادقاً ونزيهاً وسَلْ إذا لم تكن مؤهّلاً بشكل كاف: فأنا هنا لأكون المعلّم الذي يُثَقِّف.»


«لقد فهمتُ ويكفيني هذا. ولكنّ... فِعل ما أدركتُهُ صعب. أنتَ تستطيع ذلك لأنّكَ قدّوس. إنّما أنا... أنا شاب وأَضجُّ بالحياة...»


«لقد جئتُ مِن أجل البشر يا يهوذا، وليس مِن أجل الملائكة، فهم ليسوا في حاجة إلى معلّم. إنّهم يَرَون الله. يَحيَون في فردوسه. لا يَجهَلون أهواء البشر، فالفطنة التي هي حياتهم تجعلهم على اطّلاع بكل شيء، حتّى أولئك الذين ليسوا حُرّاساً لإنسان. ولكن بما أنّهم روحانيّون لا يمكن أن تكون لهم سوى خطيئة واحدة كالتي كانت لأحدهم وجَرَّ معه الأقلّ ثباتاً في المحبّة: إنّها الكبرياء، السهم الذي شَوَّهَ لوسيفورس، الأبهى بين رؤساء الملائكة، وجَعَل منه شيطان الهاوية الرهيب. لم آتِ مِن أجل الملائكة الذين بعد سقطة لوسيفورس، قد أصابهم الذُّعر مِن أدنى أثر لفكرة كبرياء. إنّما قد جئتُ مِن أجل البشر، لأجعل مِن هؤلاء البشر ملائكة.


لقد كان الإنسان كمال الخليقة. فكان له مِن الملائكة الروح، ومِن الحيوان جمال كامل في كلّ كيانه الحيوانيّ والوجدانيّ. لم يكن له مثيل في المخلوقات كلّها. لقد كان مَلِك الأرض كما الله مَلِك السماء، وذات يوم، ذلك اليوم الذي كان سينام فيه لآخر مرّة على الأرض لأنّه كان سيُصبح مَلِكاً في السماء مع الآب، قَطَع الشيطان أجنحة الإنسان-الملاك، ووَضَع له براثن الحيوانات وعَطَش الدَّنَس. وجَعَل منه كائناً هو الإنسان-الشيطان أكثر منه الإنسان-المسخ. وأنا أريد أن أمحو قُبح إبليس، أن أُزيل جوع الجسد الذي أَفسَدَ ولَطَّخ، وأن أعيد للإنسان أجنحته وأعيده إلى الـمَلِك، لتَقاسُم إرث الآب والمملكة السماويّة. أعرف أنّ الإنسان، لو كانت له الإرادة، يستطيع فعل كلّ ما أقول ليعود مَلِكاً وملاكاً. لن أقول لكم أشياء لا يمكنكم فِعلها. فأنا لستُ واحداً مِن هؤلاء الخُطَباء الذين يَكرزون بمذاهب مستحيلة. ولقد لَبِستُ جسداً حقيقيّاً لاختبار التجارب البشريّة باختبار طبيعة الجسد.»

«والخطايا؟»

«يمكن للجميع أن يُجرَّبوا. أمّا الخَطَأَة فهم فقط أولئك الذين يَرضَخون للتجربة.»

«ألم تخطئ أبداً يا يسوع؟»

«أنا لم أَقبَل أبداً بالخطيئة. وليس هذا لأنّني ابن الآب، إنّما لأنّني قد أردتُ هذا لأبرهن للإنسان أن ابن الإنسان لم يخطئ لأنّه لم يُرِد الخطيئة وأنّ الإنسان إذا رَفَضَ الخطيئة يستطيع عدم ارتكابها.»


«ألم تُجَرَّب أبداً؟»


«يا يهوذا، لقد بَلَغتُ الثلاثين سنة. ولم أَعش في كهف على قمّة جبل، إنّما بين البشر. وحتّى ولو كنتُ في المكان الأكثر وحشة في الأرض، أفتعتقد أنّ التجارب لا تأتي؟ لدينا كلّ شيء في ذواتنا: الخير والشرّ. نحمل كلّ شيء معنا، ويَنفُخ نَفَس الله على الخير فيُضرِمه مثل مَبخَرة بعطور ممتعة مقدَّسة. ويَنفُخ الشيطان على الشرّ جاعلاً منه مِحرَقة بنيران مُلتَهِمة. إنّما الإرادة المتيقّظة والصلاة الدائمة هما كالرمل الرّطب على النيران الجهنّمية تُخفّفانها وتنتصران عليها.»


«ولكن إذا لم تخطئ أبداً فكيف تستطيع الحُكم على الخَطَأَة؟»


«أنا إنسان وابن الله. فما يمكن أن أجهله كإنسان وأُخطِئ في الحُكم عليه، أعرفه وأحكُم عليه كابن الله. وعن الباقي!... أجِب يا يهوذا على هذا السؤال الذي أطرحه عليكَ: إذا كان إنسان جائعاً، فهو يعاني أكثر بقولـه: "الآن أجلس إلى الطاولة"، أم بقولـه: "لا طعام لديَّ"؟»


«في الحالة الثانية يعاني أكثر، إذ لمجرّد معرفة أنّه محروم تهفّ رائحة الطعام وتعضّ الرغبة أحشاءه.»


«هاك إذاً: فالتجربة تعضّكَ مثل تلك الرغبة، يا يهوذا، والشيطان يجعلها أكثر حِدّة، أكثر دقّة وأكثر إغواء مِن كلّ إرواء. فضلاً عن أن الفِعل يَحمل إرضاء، وأحياناً الاشمئزاز طالما التجربة لم تُضعِفكَ، بل مثل شجرة قُلِّمَت، فإنَّها تُزهِر بشكل أكثر غزارة.»


«ولم تَرضَخ أبداً؟»


«لم أرضَخ أبداً.»


«كيف تمكّنتَ مِن ذلك؟»


«لقد قلتُ: "أبتِ، لا تُدخِلني في التجربة".»


«كيف وأنتَ المسيح، أنتَ الذي تَجتَرِح المعجزات تطلب معونة الآب؟»


«ليس فقط المعونة، بل طلبتُ منه ألّا يُدخِلني في التجربة. هل تظنّ بأنّني، إذا كنتُ الذي أنا كائنه، يمكنني تجاوز الآب؟ آه! لا! الحقّ الحقّ أقول لكَ إنّ الآب يمنح الابن كلّ شيء، ولكنّ الابن كذلك يتلقّى كلّ شيء مِن الآب. وأقول لكَ إنّ كلّ ما يُطلب مِن الآب باسمي سوف يكون مُستَجابَاً. ولكن ها نحن في جتسامي (Get-Sami) حيث أُقيم. إنّنا نرى الآن طلائع الزيتون مِن خلف الجدران. وأنتَ، تقطن خلف الضفّة. وها قد هَبَطَ الليل. يَجدر بكَ ألاّ تصعد إلى هناك. سنرى بعضنا غداً في ذات المكان. وداعاً... السلام لكَ.»


«ولكَ السلام يا معلّم... إلّا أنّني أرغَب في أن أقول لكَ شيئاً آخر. سوف أصحبكَ حتّى وادي قدرون ثمّ أعود. لماذا تقطن في هذا المكان المتواضع جدّاً؟ فالناس ينظرون إلى أمور كثيرة كما تَعلَم. ألا تعرف أحداً في المدينة يملك بيتاً جميلاً؟ أنا..

عن رواية (قصيدة الاله اللنسان), ماريا فالتورتا، ١٩٤٦


الأربعاء، 25 مارس 2020

البنوة لله - جوزيف شريفرز


عن كتاب (بذل الذات)- اﻻب جوزيف شريفرز
من نتائج بذل الذات البنوة لله:
هل تسمعين يا نفسي صوت الله ابيك؟ انه يدعوك الى الفة اعظم. فانت خادمته وصديقته، وهو يريد ان يجعل منك ابنته.
ان السيد يولي خادم اﻻمين ثقته، ويخص صديقه بموته، واما ابنه فيشركه في حنانه اﻻبوي. وهذا اﻻتصال الجديد البالغ العمق من قبل الله هو ثمرة بذل الذات ، وقد اصبح عادة وطبيعة يرد الله عليها بالفة من نوع جديد. فيعامل النفس كابنة محبوبة.
ان الصديق ﻻ يزور صديفه اﻻ فترات متقطعة، والنفس – صديقة الله – ﻻ تستطيع ان تخاطبه باستمرار، اذ ان المشاغل والمهام والمتاعب تمنعها عن ذلك. ولكنها تسهر بعناية وتكثر من تمارينها الروحية وتاملاتها وفحصها لضميرها وقراءتها الروحية.
اما اﻻبن ، فهو ﻻ يترك بيت ابيه .. والنفس ابنة الله تقوم بما يفرضه عليها الواجب، وفيما تبقى تلتصق بالله بحرية تامة، وتقرا في عيني ابيها حتى اقل الرغبات وتتمها في الحال. وعندما تتمم الواجب ، غالبا ما يدعوها الله الى ان تزداد قربا منه.
والنفس الطيعة تستسلم لكل مظاهر حنان الهها. فلا تنشغل باحاديث باطلة او بسيل من اﻻقوال العالمية بل تريح نظرها بهدوء وحب في عيني ابيها، ففي هذه النظرة ما يتعجز عنه الكلمات.
على الصديق ان يسهر على مصالحه الشخصية وعلى مصالح اسرته. وان يحسب وينظم نفقاته ويرتب ميزانيته. والنفس صديقة الله ﻻ تتخلى عن اﻻهتمام بتقدمها في الحياة الروحية بل توجه كل اهتمامها للتقدم الروحي.. فحياتها تمرين وصراع وعمل ﻻ يتوقف.
اما ابن الله ، فهو ﻻ يحتقر هذا الجهد الشاق وﻻ يستخف به لكنه يعتبر ان هذا العمل ليس من اختصاصه. فهو ابن البيت، واﻻب واﻻم يعتنيان بشؤونه التي هي شانهما. انه ينفذ بطيب خاطر ما يامره به ابوه. وان اخطا تداركت امه الحبيبة اﻻمر. ليس له ان يحطاط للمستقبل او يهتم به، بل ان يرضي اباه، وان يحبه في كل لحظة، وان يظهر ذلك بالطاعة.
ان حياة ابناء الله الحقيقيين تخفى عن عيون الناس. فالله يخفي هذا الكنز عن اﻻنظار الغريبة. ثم ان العالم ﻻ يفهم حياة تقضى كلها في خدمة الله ومحبته. انه يهزا ببساطة بالصديق الذي يحتقر خيرات هذه الدنيا. وكذلك النفوس المسيحية العادية ﻻ تدرك اكثر من سموها سمو حياة مكرسة ليسوع، فيبدو لها ان النفس الهائمة بالله عاطلة عن العمل وغير نافعة للاخرين. انها تبحث عن النشاط والحركة. اما الحياة التي كرست ليسوع في الخفاء والعزلة فتظهر لها انها بلا قيمة او نفع للكنيسة... انها تظن ان القديسين يتميزون بخدمات ممتازة ادوها للكنيسة، وبفضائل باهرة ، ثم تلاحظ ان كل شئ فيها على عكس ذلك ، بسيط ويكاد يكون عاديا، فتتساءل اين الفضيلة، اين القداسة؟ انها ﻻ ترى اﻻ اعماﻻ عادية ووجودا عاديا وشواغل مبتذلة، فليس هناك من تقشف او صلوات طويلة ، ﻻن نفوس ابناء الله تكتفي بان تسير سيرة العامة من سواد الناس. 
يا الهي، ما اكث ما يخطئ الناس في تقدير ابناءك! ان هذه الحياة البسيطة والخالية من اﻻبهة، المستسلمة كلها لمحبتك هي الحياة المستترة مع المسيح في الله، هي صورة طبق اﻻصل لحياة يسوع البسيطة والمجهولة.
صحيح ان هذه الحياة المنسية والمزدراة كانت عثرة لليهود وجهالة للامم. وصحيح انها كانت في عصرنا هذا هدفا للسخرية والتحقير من قبل حكماء العالم، لكن هل هذا يقلل من سموها.
ايتها النفس السعيدة، ابنة الله المستترة ، ﻻ تهتمي باعمال ابناء هذا الدهر وسخريتهم وهزئهم! انك تعرضينن عن ذمهم وافتراءتهم ! انهم لم يدخلوا يوما القصر الذي تسكنينه ، اذ ان اعينهم ﻻ تحتمل البهاء الذي يسطع فيه. واذانهم ﻻ تستطيع ان تحتمل سماع اللغة اﻻلهية التي تسمعينها هناك . انك تنتمين الى عالم اخر غير عالمهم وتعيشين مستترة فالله، فانت ابنته المختارة.
يا ابنة الملك، ارتفعي الى شرف اصلك اﻻلهي، وﻻ تقلقي البتة لما يتعلق بثروتك الروحية. بل تابعي حياتك البسيطة في حضن الله، وتممي مشيئته واحبيه بغير حساب، وﻻ تخافي البتة فانت غنية بحكم حقك في الميراث السماوي.

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019

الكتاب المقدس بلا رتوش


جولة معك ايها القارئ في كتاب "الكتاب المقدس بلا رتوش" لديفيد ويصا. وهو من اروع الكتب التي قرأتها وتحاول تقديم مفهوم الوحي وصوﻻ الى حل اشكاليات يراها البعض في كتابنا المقدس.


يقول المؤلف في المقدمة:
ان كان هذا الكتاب يستهدف الباحث الذي يبتغي فهم الكتاب المقدس دون ان يتغاضى عن اشكالياته الكثيرة. الا انني ساختم كتابي برسالة الى كل مسحي يبتغي تعاملا يوميا مع الكتاب المقدس بعد ان يكون ادرك اشكالياته الحقيقية دون رتوش.
ارجو من الله ان يكون هذا الكتاب جسرا يمهد الطريق امام كل باحث ومفكر، ايا كان خلفيته، للوصول الى فهم ناضج للكتاب المقدس وللاله المعلن على صفحاته. فيكون العقل الذي وهبه الله ايانا، لا حجر عثرة بيننا وبين الله، بل وسيلة فهم وجسر يصل بنا الى الله.
طبيعة وحي الكتاب المقدس:
في محاولتنا لفهم الوحي يقابلنا 4 نقاط ينبغي مناقشتهم وهي:
1- الوحي والغموض:
كما ان غموض طبيعة الرب يسوع المسيح – كونه الله وانسان في آن واحد – لا يدفعنا لانكار الوهيته لحساب انسانيته، او العكس. هكذا الوحي، لا ندرك بالضبط ما هي طبيعته. لكن غموض طبيعة وحي الكتاب – كونه الهي بشري. لا يدفعنا لانكار الوهيته لحساب بشريته ولا يلزمنا بالتمسك بالوهيته على حساب بشريته.
2- العصمة:
العصمة تعني صدق الكتاب المقدس في كل ما قصد الله ان يقول فيه. وهي افتراض يبنى على ايماننا ان الله صادق، فالعصمة تنبع من الايمان، وهي افتراض مبدئئ ..
ان اتضاع المعرفة يقضي بالاعتراف بان هناك بعض احداث الكتاب التي لا يمكننا ن نفحصها.. لان العم يبحث في المنظور وحيث ان الله ليس منظورا فهو خارج نطاق البحث العلمي (المجرد)، اي يجب ان يكون بحثنا يرتكز على ركني العقل والروح معا). ان العلم (في نواح كثيرة) لا يعترف بما يسمى اليقين المطلق او الشك المطلق،
3- ارامية الحوار ويونانية السرد:
البشائر الاربعة ليست سردا تفصيليا لكل ما قال وفعل الرب يسوع، بقدر ما هي انتقاء مهدّف لبعض ما قاله المسيح وعمله.. والحقيقة ان الرب يسوع كان يتحدث الارامية . لكن البشائر الاربعة كتبت باليونانية وليس الارامية، فالبشائر الاربعة اذن ليست مجرد تسجيلا حرفيا لما قاله بلغته الارامية قدر ما هي اعادة صياغة باللغة اليونانية مما يعنى ان البشييرين الاربعة لم يتقيدوا طوال الوقت بالالفاظ التي قالها المسيح حصريا – قدر ما يعنيهم صياغة محتوى ما قاله المسيح ، بطريقة تخدم غرض بشارتهم، فكل بشارة كانت تهدف لالقاء الضوء على جانب معين.
4- عبرية الاصل ويونانية الاقتباس:
ان اقتباسات العهدالجديد من القديم قائمة على النص اليوناني، اي الترجمة السبعينية. وهذا يفسر الاختلافات اللفظية بين الاقتباس الذي نقراه في العهد الجديد، والنص الذي نقراه في العهد القديم.
على سبيل المثال، "لكي يتم ما قيل باشعياء.. هوذا فتايّ الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي"(مت12: 17-18) حين نذهب للنص العبري نجد "هوذا عبدي الذي اعضده، مختاري الذي سرت به به نفسي". وهو تقريبا نفس المعنى.
***
مصادر الكتاب المقدس:
في افتتاحية انجيل لوقا، يحدد القديس الهدف من كتابته الانجيل كما يحدد مصادر استند عليها بقوله "كما سلمها الذين كانوا من البدء معاينين وخداما للكلمة". وهذا يعني بحال ان الكاتب استخدم الامكانات الطبيعية المتاحة من وثائق لكي يكتب لمعاصريه ثم قام الكاتب بقيادة الروح القدس بانتقاء الصحيح منها والضروري منها بحسب قصد الله ن السفر، وهذا لا يعيب الوحي او يقلل منه.
***
نظريات الوحي:
في محاولة فهم طبيعة الوحي نجد 5 اراء وهي:
1- نظرية الوحي الطبيعي او الالهام:
مثل الهام الشعراء، اي ان الكاتب من واقع خبرته ومعرفته واختباره لله قرر ان يكتب وجهة نظره دون اي تدخل من اله. وهذه النظرية تتعامل مع الكتاب باعتباره انساني فقط. وتتجاهل كونه "من الله" مما يجعلها غير متسقة مع شهادة الكتاب.
2- نظرية الوحي الجزئي:
الله اوحى للكاتب بجزء، وطرق له حرية التعبير في جزء اخر، فما اوحى به الله عصمه من الخطا وما لم يوحي به عرضة للخطا. ومما هو واضح ان النظرية لا تضع حدودا واضحة بين ما هو موحى وما هو غير ذلك.
3- نظرية الوحي الفكري:
الله اوحى بفكرة للكاتب وتركه يكتبها باسلوبه وثقافته. هذه النظرية تغفل ان الالفاظ هي وعاء اللغة، فبدون الفاظ واضحة قد تفقد الفكرة معناها وقد تتشوه.
4- نظرية الوحي الاملائي:
الكاتب هنا مجرد قلم في يد الله.
5- نظرية الوحي اللفظي:
الله اوحى للكاتب، واستخدم الكاتب الفاظه وثقافته للتعبير عن اعلان الله، لكن الله اشرف على اختيار الكاتب لالفاظه ليكون المنتج النهائي للوحي هو ذات الالفاظ التي قصدها الله. هذه النظرية قد تبدو مشابهة لنظرية الوحي الاملائي، لكنها تضع في الاعتبار ثقافة الكاتب وخلفيته. ويقول احدهم:
حينما ينتهي كتبة الوحي من قول كل ما يريدونه. سيقول الله: هذا هو ما اريد ان اقوله بالضبط!
يبدو ان نقطة ضعف هذه النظرية هي حين تتواجه مع اخطاء النسخ واضافاته، اذ تنطبق مفهومها على النسخة الاصلية فقط، وحيث اننا لا نملك اي مخطوطة اصلية فهذه النظرية قد تتحول لنظرية مجردة غير قابلة للتطبيق.
***
ثم يستعرض المؤلف بعض النصوص التي يستخدمها المشككون في الطعن على صحة الوحي - في محاولة منه لاعطاء الفرصة لكل قارئ ان يفهم طبيعة الوحي كما هي ، والنصوص التي اختارها 17 نصا. احببت ان اشارك القارئ ببعضها:
اخطاء اخلاقية:
ذكر ان لوط زنى ببناته (تك19). لا يمكن ان نصف ما حدث الا بخطا اخلاقي عن لوط الذي شهد له الله انه بار. فكيف يستقيم الامر؟
للاجابة ، ينبغي علينا ان نفرق تماما بين ما يامرنا الله به وبين ما يسرده الروح القدس.. فالانسان لا يتعلم فقط من الاخلاقيات الصحيحة بل ايضا من الخاطئة فيتامل نتائجها ليتجنبها.
ليعلمنا انه لا يوجد من هو اكبر من الخطية، وفي نفس الوقت لا توجد خطية اكبر من نعمة الله وغفرانه.
اخطاء تعليمية:
اقتبس الرسول قول اليفاز "الاخذ الحكماء بحيلتهم، فتتهور مشورة الماكرين"(اي5: 13) في (1كو3: 19). كما اننا اعتدنا اقتباس العديد من اقوال الاصدقاء الثلاثة في عظاتنا على انها وحي الله، مع انه ذكر في نهاية سفر ايوب قول الرب "لانكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي ايوب" اي42: 7).
تاتي المفاأة حين نراجع اقوال ايوب بالمقارنة مع اقوال اصحابه عن الله، فنجد ايوب يقول ".. احسن عندك ان تظلم؟.. افتبتلعني؟..
هل هذا خطأ تعليمي؟
المشكلة ليست ما قاله اليفاز عن الله خطا بالمطلق. بل ان ما قاله لم يراع حالة ايوب وحزنه ومرارته. فبدل من الوقوف في صف ايوب (لمواساته) وقف في صف الله (مدعيا) الدفاع عنه ضد ايوب. فالصورة التي رسمها اليفاز عن الله صورة مشوهة لانها لم تساعد ايوب في التغلب على حزنه بل دفعته لاتهام الله بالظلم .
لم يقصد الله ان ما قاله ايوب صحيح في المطلق، فحاشا لله ان يكون ظالم وهو "اله امانة لا جور فيه"(تث32: 4). بل قصد ان ايوب كان صادقا في التعبير عن الامه وحزنه حتى وان خانه التعبير، لكنه انساق مدافعا ع نفسه ضد اتهامات اصحابه له. وقبل ان يترك ايوب الله ارسل اليهو لكي يعيد الدفة ويسترد صورة الله الصحيحة لذهن ايوب. ثم تبعه بظهور الله له . فالله قبل ان يعطي الدواء لابد ان يكشف الداء ، وقبل ان يضمد جراح ايوب لابد ان يسترده له.
قصد الكتاب اذا ان يعلمنا ان المتالم يحتاج ان يرى اله فينا اكثر من ان يسمع عنه منا.
وحسنا قال الكتاب اولا "ولم يكلمه احد بكلمة، لانهم راوا ان كابته كانت عظيمة جدا". فكثيرا ما يحتاج المتالم الى عين تذرف الدمع معه واذن تصغ الى انينه ويد تعانقه اكثر من فميستذنبه كما فعل اصدقاء ايوب.
اخطاء طبيعية:
"الجالس على كرة الارض وسكانها كالجندب.. الرب خالق اطراف الارض.."(ش40: 21- 28). والسؤال هو: "هل كان اشعياء يعلم ان الارض كروية؟". الاجابة لا.
ان قصد اشعياء لم يكن اعطاء معلومة علمية للشعب. اشعياء يرسم امامهم 3 صور ليكشف لهم عن سلطان الله.
"اساسات الارض" فتلك الارض التي علقها على لا شئ ثابتة رغم عدم وجود اساسات لها.
"دائرة الارض" وهي الترجمة الادق. فتلك الدائرة التي يجلس الرب سيدا في مركزها وكل سكانها كالجندب حوله، هو في الواقع ملكها وخالقها، فلا دجاعي للقلق والخوف من سكانها.
"اركان الارض" فتلك الارض التي لا تستطيع عين بشر وقتها ان تصل لنهايتها واطرافها، هي في الواقع بين يدي الله الغير محدود.
اخطاء جغرافية:
مقارنة (مت5:1) مع (لو6: 13) ، سنجد انفسنا امام خطا جغرافي واضح. لان متى يقول (جبل) ولوقا (سهل).
ان لوقا يهتم اولا وقبل كل شئ بشرح (ما حدث). بينما يهتم متى وقبل كل شئ بشرح (لماذا حدث). فنجد في مواضع كثيرة يقول "لكي يتم ما قيل بالانبياء..".
يهتم لوقا برد الاحداث كما حدثت، بينما متى تجميع الاحداث المتشابهة معا .. ففي موضوع العظة على الجبل نفهم من لوقا ان المسيح لم يقل كل هذه العظة دفعة واحدة.
لكن يظل السؤال قائما : لماذا قال متى (جبل) بينما قال (لوقا) سهل؟
كان متى يريد اظهار الرب يسوع كمن هو اعظم من موسى. فقرر ان يجمع عظات المسيح وينسبها لموقع جغرافي يتناسب مع غرضه اللاهوتي ، فاختار الجبل. فهناك موسى يستلم شريعةالله على الجبل. وهنا المسيح يلقي بشريعته على جبل. هناك موسى قال "هكذا قال الرب" وهنا المسيح يقول "واما انا فاقول".
لا ينبغي ان نندهش من كون متى له غرض من كتابة امجيله. فهل يصح ان يستبعد القاضي كل الادلةة التي يسوقها المحامي ووكيل النيابة لان لكليهما غرض؟

موشوعات ذات صلة:

الخميس، 14 نوفمبر 2019

استحالة تحريف الكتاب المقدس

اسم الكتاب: رد القمص سرجيوس على القائلين بتحريف التوراة والانجيل.

اقتباسات من الكتاب:
يقولون المستحيل ويلغون العقل:
ان القول بان النصارى حرفوا الانجيل بعد زمن محمد هو قول مستحيل لا يقبله العقل لاسباب كثيرة:
١- ان الديانة المسيحية كانت منتشرة بين ممالك وولايات عديدة..
٢- ان الذين صاروا مسيحيين لم تكن لهم لغة واحدة بل لغات متعددة..
٣- ان المسيحيين كانوا منقسمين الى طوائف متعددة ولا زالوا على هذا الخلاف الى يومنا هذا..

متى واين وكيف اتفقنا على التحريف؟
ان هناك مؤرخين من اليهود والنصارى والمسلمين والوثنيين اهتموا في كل زمان ومكان بان يدوّنوا كل صغيرة وكبرة من حوادث العالم وسجلوا في تواريخهم ما استلفت انظار الناس وما لم يستلفت. انهم يعجزون عن الدليل واما نحن فنقدمه. نعم نقدم الادلة على عدم امكان التحريف. وهذه الادلة هي:
اولا - وجود نسخ قديمة من الكتاب المقدس قبل القران: الفاتيكانية والسينائية و .. غيرها.
ثانيا – يوجد اقتباسات عدة (في كتابات الاباء معلمي الكنيسة في القرون الاولى) .. واذا ما قارنا هذه الاقتباسات مع ما في النسخ التي يتداولها الان النصارى واليهود نرى انه لا يوجد فرق ولا اختلاف ..

يتعرضون للتناقض:
.. ان الربح الذي يعود عليهم من مهاجمة التوراة والانجيل لا يذكر الى جانب الخسارة التي تلحقهم.. لانهم فيما يرمون به التوراة والانجيل يعرضون القران للتناقض!
وكيف لا وهم يعلمون ما ورد في القران من الشهادات العظيمة الدالة على ان التوراة والانجيل لم يتحرفا وانهما ضساء وذكر وفيهما حكم الله وانهما كلام الله وموضع الثقة واليقين وفيهما وفي سؤال اصحابهما (من يتبعهما) ما يزيل الشك من قلب محمد ..

انهم حيارى!
بينما يزعم نفر من المسلمين ان اليهود والنصارى حذفوا من كتابهما البينات على رسالة محمد، تراهم يرجعون الى التوراة والانجيل، فيتخذون منها بعض الايات ويطبقونها على محمد..
هل نسخ القران التوراة والانجيل؟
عندما يعجزون عن اقامة الدليل على تحريف التوراة والانجيل وعندما تفحمهم ادلتنا، فعوضا عن يؤوبوا الى الرشد ويعترفوا للحق بنصوعه ويحمدوا الله الذي ينجز مواعيده الصادقة والامينة بحفظ الذكر وعدم تبديل سنته، نراهم يهربون .. ويقفزون من نافذة..
من اين اتوا بهذا الادعاء والى دليل يستندون؟ وها امامنا الكتب الثلاثة: التوراة والانجيل والقران. هل يوجد اشارة في اي من الكتب الثلاثة ادنى اشارة او تلميح ان التوراة والانجيل قد نسخ احدهما الاخر او نسخهما القران؟
ان الذي يطالع الكتب الثلاثة يجد عكس هذا الادعاء..
"لا تظنوا اني جئت لانقض الناموس والانبياء.."(مت5: 17).

القران لم ينسخ الانجيل:
لو كان القران قد نزل لينسخ التوراة والانجيل ويبطل حكمهما ويحل محلهما ، لما كان يحث على اقامتهما واتباع حكمهما ولا كان يتوعدهم بقوله "يا اهل الكتاب لستم على شئ الا ان تقيموا التوراة والانجيل.. "

الجمعة، 20 سبتمبر 2019

المسيا في العهد القديم

اقتباسات من كتاب : المسيا في العهد القديم

تاليف: ريستو سنتالا، 2004

يمكننا ان نعرّف الاختلاف بين الوعظ والبحث اللاهوتي باعتبار ان اللاهوتي يبذل كل جهده في شرح ما الذي تعنيه كل كلمة من الكتاب المقدس، بينما يشرح الوعظ ما الذي بامكان اﻻنسان اليوم ان يستفيد منها. 

ناضل الفلاسفة اليونان لايجاد قواعد منظمة وهو اسلوب بدأ منذ ارسطو  وحتى هيجل: ثم كانت التفاصيل تكيف في وحدات اكبر.. بينما الفكر العبري يتحرك من التفاصيل الى القواعد.. لذلك الكتاب المقدس لا يعرف قاعدة معينة: لكنه يظهر غايتين: الرواية (التاريخ المقدس) والناموس (التشريعات والوصايا). 

بدلا من حب النظام يضرب الكتاب المقدس مثالا رائعا على التفكير الترابطي الذي ترتبط فيه على الفور كل تفصيلة مع الكل. كل تفصيلة من وحي الله يجب ان تقدم وتشرح بحسب علاقتها بالموضوع رهن المناقشة، وباعتبارها كينونة مستقلة، وذلك لان كلمة الله لا تفقد معناها الحرفي ابدا. علاوة على ذلك يجب ان تدعم كل حجة بكلمة من الاسفار المقدسة لان اراء الناس هي بلا قيمة في حد ذاتها. حتى المدراش القصير يحتوي على مئات من الاقتباسات من العهد القديم واسماء مئات من الاحبار. 

من غير المحتمل ان تفكر في ان ديانة اسرائيل قد تطورت من العبادة الكنعانية التي دمرتها اسرائيل، لانه في تلك المناطق التي سمح فيها للعبادة بالبقاء لم تتطور ابدا ديانة مماثلة ذات وحي. 

ان الاثر الادبي الرئيسي للتشريع اليهودي هو التلمود الذي جمع على مدى 3 قرون منذ عام 200 تقريبا والذي يضم 60 بحثا منفصلا في 13 مجلدا ضخما يصرح ببساطة "لم يتنبأ الانبياء سوى عن ايام مسيا" و "لم يخلق العالم سوى من اجل المسيا فقط". وبالاضافة الى التلمود يجدر ملاحظة مصدرين اخرين هما المدراش والترجوم. 

المدراش او الشرح هو الادب الوعظي يرجع تاريخه في اجزائه الستة الاكثر قدما الى القرن الثاني الميلادي وذلك بالرغم من انها كتبت في شكلها النهائي في القرن الخامس او السادس. 

اما التراجم فهي ترجمات تفسيرية للعهد القديم بالارامية. لكن لم يحظ سوى ترجوم اونيكلوس بالموافقة الرسمية من المجمع ويرجع تاريخه الى القرن الثاني.. وتجدر اﻻشارة الى ان هناك 72 مقطعا من العهد القديم مشروحا في التراجم باعتباره ينطبق على المسيا. 

وقد برز ايضا توقع مسياني مبكر فيما بين اليهود عن طريق ادب الزهار او الاشراق وارتبط عادة باسم الرابي شمعون يوهاي من القرن الثاني. هذا الادب السري الذي يبلغ الاف الصفحات والذي يتاسس على اسفار موسى الخمسة فاز بموافقة عامة بجانب التلمود.. 

يشرح 2مل18: 4 كيف دمر حزقيا التعويذة التي اصبحت بديلا للديانة الحقيقية وكان اسمها "نحشتان". تلك هي الطبيعة البشرية وهي ان شئ بلا حياة يمكن ان يصبح بؤرة للعبادة. لقد دعيت الحية "نحشتان" وهو اسم ازدراء واحتقار، ويفهم ان معناه "نا الذي نحتاجه من ذلك؟ انها لا شئ سوى حية من نحاس". 

يستخدم بولس في (غل3: 16) صيغة المدراش النموذجية فالوعد المعطى في المفرد يؤخذ اشارة على المسيح. 

يصف المدراش الحالة الجديدة التي ظهرت مع فارص كما يلي: "هذا هو تاريخ فارص وهو ذو مغزى عميق.. عندما ظهر فارص بدا التاريخ يتحقق من خلاله لان منه سيظهر المسيا. وفي ايامه سوف يبتلع الموت كما هو مكتوب يبلع الموت الى الابد ".. ان احد اصعب المعضلات هي (تم38: 29) عن ابن يهوذا وثامار "عليك اقتحام. فديت اسمه فارص". لقد عبرنا بالفعل على البحث المرتبط باسم فارص باعتباره قاهر الموت وهو بالفعل احد الالقاب المبهمة المعروفة للمسيا. كما يتحدث حتم المدراشيم الحبر تانهوما بارابا مرارا عن المسيا وقرابته لفارص "انه المخلص الاخير.. ويذكر ان هناك خطاة تكبدوا خسارة عظيمة بسبب سقوطهم بينما يوجد اخرون قد استفادوا من اثامهم”. وايضا "ان يهوذا كان منشغلا بالبحث عن زوجة بينما القدوس يخلق نور المسيا". وتوجد اشارة اخرى في (مي2: 13) حيث يقول "قد صعد الفاتك (الشخص الذي يشق الطريق) امامهم". ولاحظ ان كلمة الطريق مشتقة من نفس جذر كلمة فارص. 

بالرغم من ان الاحبار يجدون اسرارا في العهد القديم بوفرة اكثر جدا مما تألفه المسيحية الا انهم لا يزالون يؤكدون مرارا كلمات موسى "السرائر للرب الهنا والمعلنات لنا ولبنينا الى الابد".

اشارة تمت مناقشتها في التلمود: وهي ان ابن داود لن ياتي سوى في جيل بار تماما او شرير تماما حيث مكتوب "فرأى (الله) انه ليس انسان وتحير من انه ليس شفيع"(اش59: 16).. كما انه مكتوب "وشعبك كلهم ابرار"(اش60: 21). لو كانوا ابرار فسوف ياتي مع السحاب (دا7: 13) ولو كانوا اشرار فسوف ياتي "راكبا على جحش (زك9: 9).
تتحدث تراجم يوناثان ويروشاليمي عن (تك40: 12) عن "عيون المسيا الملك" انها جميلة متألقة كالنبيذ – اما في الترجمة الارامية فهي "حمراء كالنبيذ" وبحسب كلمات الحبر ابراهيم بن عزرا من القرون الوسطى تقول 3 مرات عن عيون يسوع انها تشبه لهيب الناروتخبرنا الاناجيل كيف ان يسوع نظر للشاب واحبه وكيف انه نظر الى بطرس فبكى.
المسيا اعتبر انه موسى الثاني. "لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوني"(يو5: 46). وهذه الفكرة مشتقة من (اع3: 22 و 7: 37).
كما يعلن المدراش "هوذا عبدي يزهر"(اش53: 13). فقد نجح موسى بواسطة المعجزات التي عملها في ان يجعل امة واحدة فقط تخدم الله لكن المسيا سوف يجعل كل شعوب الارض تخدمه".

موضوعات ذات صلة:

الاثنين، 16 سبتمبر 2019

الصراع في بستان جثسيماني


بين هذا الحدث المأساوي والحدث السابق تباين فريد. في العشاء السري قبل يسوع الموت بسرور، لانه جعل منه ذبيحة الخلاص. اما في جثسيماني، فانه ما زال يواجه الموت، لكنه وجد فيه وجها اخر، وجها رهيبا، فخامرته فكرة الرفض. لعل هذا المشهد الذي يظهر لنا يسوع في ذلك القلق امام الموت اكثر انسانية واقرب الينا. 

لقد جرب من قبل ابليس على الجبل بالتجارب التقليدية، من مصلحة شخصية وانحراف الى العالم (مت4) واما في جثسيماني، فلقد بيّن له عدم فائدة موته. وبعد يسوع، ما اكثر القديسين الذين تعرضوا للتجربة نفسها، التضحية غير المجدية! وهل في الامكان ان يتطوع الانسان في السير على خطاه دون ان يعرف تلك التجربة في يوم من الايام؟ 

هذه المحنة الاخيرة تكشف عن حقيقة انسانية يسوع. فبعد تقدمة نفسه الهادئة في العشاء السري باقل من ساعة، ها هو يضطرب في اعماق كيانه. "انه حزين جدا حتى الموت" ويضطر الى البحث عن تعزية في حضور تلاميذه، لا بل يكاد يعيد النظر في قبوله الموت. وفي وحشة الليل يجب عليه ان يجاهد جهادا اليما ليخضع لمشيئة الاب. لكنه تغلب على هذه التجربة ولم يعد يفكر بعدها الا بثبيت تلاميذه واعدادهم للمحنة. وسيستمر هدوءه ثابتا طوال الامه. واذا مر يسوع بتجربة جثسيماني ، فانه انتصر فيها ايضا انتصارا بطوليا نهائيا. 

عن كتاب المسيح قام – الاب اسطفان شربتييه 

الأحد، 1 يوليو 2018

السقوط والعقوبة



لم يصدر عصيان ادم من قبل ضعف غير اثيم، وكذلك لم يكن مجرد حدث بسيط مؤسف، ولكنه يمثل ابشع خطية. وهو فعل له خصائص الخطية المميتة القاتلة، لانه تم بكامل المعرفة وبكامل الحرية. انها خطية الكبرياء والتغطرس والكفر وعدم الايمان فضلا عن العصيان والتمرد على الله.
ان ادم وحواء عرفا الخير والشر ليس في ضوء الحقيقة الالهية والقداسة الالهية، ولكن على حسابهما وبالتضحية بهما. لقد اظلم العقل وضعفت الارادة وفقدا براءتهما وقداستهما. ولحق الضعف بالجسد ودهمه الموت. ونتيجة لهذا تعرت الروح عن الفضيلة وصار الجسد عاريا.. انهما لم يكونا يخجلان قبلا، على نحو ما يحدث في عالم الطفولة.
ان الخطاة بدافع الخوف يملاهم الرعب ويحسون بحضور الله وينزعجون بهذا الاحساس كما لو انهم يوجدون في حضرة الله مواجهة. ويبدو من تصرف ادم وحواء كيف اظلمت الخطية عقليهما حتى انهما اعتقدا، في ظلام تفكيرهما انهما من الممكن ان يختبئا عن وجه الرب.
ان ادم وحواء يحملان مسئوليتهما كاملة في خطيتهما. ان الاخرين قد يدفعونا الى الخطية ويمكن ان تكون ثمة اغراءات تدفع الى الخطية.
لم يوجه الله السؤال الى الحية قائلا: لماذا فعلت هكذا؟ وذلك لان الله وهو كلي المعرفة يعرف ان الحية لم تتصرف هكذا من ذاتها بل ان الشيطان هو الذي حركها على هذا العمل.
كما يهشم الاب المحب السكينة او الاداة التي قتل بها ابنه هكذا كان الامر مع الحية فقد عوقبت على الرغم من انها فعلت ما فعلت بدون احساس او شعور.
ولا يستلزم من هذه العقوبة الاستنتاج بان الحية كانت ذات اقدام فيما مضى ثم فقدتها، بل يمكن القول انها كانت تسير فيما سبق منتصبة ثم كعقاب لها صار تسعى على بطنها.
ان الحكم على الحية بان تسعى على بطنها، يجعلها تبدو كمن ياكل تراب الارض على الدوام. وتشير عبارة "وترابا تاكلين" الى حالة الانسحاق والتحطيم.
ان خداع حواء لادم انتهى الى ان يسود عليها "رجلك يسود عليك". ان حواء عوقبت كام وزوجة. "بوجع تلدين اولادا" و ايضا " رجلك يسود عليك" هذه العقوبة التي كانت معروفة قبل المسيح وال الان عندما كانت تعامل معاملة العبد.
ان سقوط ادم لم يتبعه فقدان الصورة الالهية بشكل مطلق ولكنها فقط تشوهت. اها لم تصل الى حالة من التدمير التام لا يقبل الاصلاح.
عن كتاب علم اللاهوت العقيدي ج 3 –د. موريس تاوضروس

الجمعة، 18 مايو 2018

وصايا كاترينا السيانية

"كن ابنا حقيقيا للقديسين،
احب الله ولا تتعلق بوالديك ولا باصدقائك ولا بالضروريات الزمنية.
لا تخف ابدا العاصفة الحالية ولا الاعضاء الفاسدين الذين يؤذونك. ان عون الله قريب.
تمسك بالرعاة الصالحين فقط، لان الرعاة الاشرار هم الذين اثاروا الفتنة. استعمل دواء لتلك الشرور.
انجز ما بدات به ولا تتباطأ لان الابطاء سبب العديد من المصائب، ولان الشيطان يتفنن في اثارة العقبات في طريقك.
ارفع راية الصليب لانك بها تحصل على السلام وتعزي فقراء يسوع الذين ينتظرونك بلهفة.
تعال لترى الذئاب تصبح حملانا.
احمل راية السلام لكي تنتهي الحرب.
لا تعد الى مقاومة مشيئة الله لان الحملان تنتظر جائعة ان تعود لاحضان المسيح.
تعال ولا تخف ولا تنتظر الوقت لان الوقت لا ينتظر.
اسمع لنداء الروح القدس وتعال مقتديا بالحمل الالهي الذي بيده المجردة صرع اعداءه باستخدام سلاح المحبة.
كن شجاعا واسع لخلاص الكنيسة من الانقسامات.
ان الثعالب ستأتي الى حضنك .. تعال ببسالة.

كاترينا (1347- 1380) من سيانة.

الثلاثاء، 30 مايو 2017

اهداف الزواج


ان الجنس عند الإنسان، له ثلاثة عناصر (أبعاد) رئيسية:
1- العنصر الشخصى:
وفيه نجد التفاعل الشخصى بين الجنسين، الناتج عن القبول المتبادل والإقتناع العقلى، تفاعل يعبر عن ذاته مستخدماً الإمكانات العاطفية (المشاعر) الإنسانية، ويساهم فى نمو الحب بينهما، الذى يفتح بدوره المجال للإتحاد الزيجى.. ولا ينحصر البعد الشخصى للجنس فى مجرد العلاقة بين الجنسين، بل يتجاوزها كى يغذى الجوانب الاجتماعية والروحية عند الإنسان.

2- العنصر الحسى:
ويقصد به الإحساس باللذة فى العلاقة الزوجية، ولو أن اللذة الحسية ليست هدفاً بحد ذاتها، إنما هى إحساس فسيولوجى عصبى نفسى ملازم للتواجد والتقارب بين الزوجين من خلال حياتهما المشتركة.

3- العنصر التناسلى:
ويقصد به إنجاب النسل حفاظاً على النوع، ولو أن النسل ليس هو الهدف الأوحد للزواج، فالزواج يهدف - كما أراده الله - إلى تحقيق التكامل والإتحاد بين الزوجين، ويهدف إلى التعاون والمشاركة بينهما فى مواجهة الحياة، ويأتى النسل ثمرة للحياة الزوجية، معبراً عن البعد الشخصى للجنس فى حياة الزوجين.

هذه العناصر الأساسية الثلاثة للجنس أراد الله منذ البدء أن توجد معاً جنباً إلى جنب فى توازن، دون أن يطغى عنصر على آخر، حتى تحقق العلاقة بين الزوجين هدفها الأصيل.
د/عادل حليم

الأحد، 21 مايو 2017

الخطية الاصلية


سألني محدثي:
- هل من العدل أن طبيعة آدم الخاطئة تنتقل علينا فرضاً؟
- لقد اُعتبر آدم ممثلاً للجنس البشري. وبما أننا جميعاً خُلقنا أحراراً كان يجب ان نسير في طريق الصلاح، ولكننا سرنا على نفس نهج آدم نحو الخطية.
- ألا يوجد بعض الصلاح في كل البشر؟
- هذا يتوقف على ما اذا كنت تنظر من وجهة نظر الله أم الإنسان. الله لا يجد صلاحاً في الإنسان يؤهّله ليجد مكاناً في السماء، فبالنسبة الى البر والكفاءة لدخول السماء يقول الله: لا أحد. الانسان ساقط فاسد كلياً.
- ماذا يعني التعبير «فاسد كلياً»؟
يعني ان الخطية شوّهت كل جزء في كيان الانسان، وانه وان كان لم يقترف كل أنواع الخطايا، فهو قابل لذلك. أضف الى ذلك، ان فساد الانسان يعني أنه لا يستطيع ارضاء الله من جهة الخلاص.
- لكن هل سيذنّب الله انساناً لم يقترف الخطايا الكبرى مثل القتل، والسكر، والفحشاء وأشباه ذلك؟
الله لا ينظر الى ما فعل الشخص فقط بل الى ما هو الانسان بحسب طبيعته. فالانسان - في حقيقته - هو أسوأ بكثير من كل ما فعل على الاطلاق. ان حياةً بأفكار نجسة، وكراهية نحو أي شخص آخر، ومجرد نظرة شريرة - هذه أيضاً خطايا بشعة في نظر الله الكلي القداسة والكمال .
- ولكن ألا يوجد خطاة أسوأ من خطاة؟
لا شك في ذلك. لكن لا يحق لنا مقارنة ذواتنا مع الآخرين. فالذين يفعلون ذلك ليسوا حكماء. نحن لن نُدان بالمقارنة مع الآخرين، وانما في نور قداسة وكمال الله.

السبت، 16 يناير 2016

خواطر في عيد الحب


المحبة فيض غامر يسع الدنيا ويعانق الحياة.

المحبة قمة شاهقة تقودنا الى الله لانها درب يصعد بنا الى ملكوت ملؤه النعيم.

المحبة عطاء كبير لوجود اكبر يشمل الاكوان.

هي جوهر الحياة تستمد عظمتها من عظمة الله تبارك اسمه،
فالله محبة، والانسان بالمحبة يقترب من المنّان.
المحبة لا تفنى لانها خالدة، فاذا هي حياة تنلج عبر الازمان.

المحبة قطرات دموع تنسكب ونبضات قلب يخفق سواء اقترب المرء او فارق الاحباء.

اني احب وحبي يتجسد في كوني المتأجج بالحياة، فأرى فيه نفسي،

اغوص الى الاعماق البعيدة حيث توجد الحقيقة.
***
المحبة تستمد من ظروف الحياة المتقلبة لوحات بديعة الالوان وتعرضها على مسرح الحياة.

هذه قطرة حب، ودمعة عين، وخفقة قلب ونغم تغيب اصداؤه في زمن الاحلام لكنه يدوم مدى الاعوام.

هل اكتشفت الجمال الذي يحوي سر الحب؟

للحب جمال يفجّر في اعماق الانسان براكين من الوحي لا يعرفها سوى القلب البرئ،

فالقلب يضم في حناياه ذلك اللغز المحيّر المتألق باروع ما في الوجود.

الحب يفتح امامك باب يطل على دنيا جديدة،

او يجعل مدى رؤياك يتسع ليعانق الوجود بأسره.

هل ادركت الالم الذي يلج اعماق الحب؟

للحب جانب مفعم بالالم يجعل المحب الوله يتقلب بين البهجة والاحزان.

انا احب وانا اذوب وليس بالامكان ان احب وان اوجد معا،

فاما وجود بدون حب وهذا هو الثلج في فصل الشتاء،

او حب بدون وجود وهذا هو الذوبان في مطلع الربيع.

مستوحاة من السيرة الذاتية للاخت ايمانويل 

الجمعة، 1 يناير 2016

الحرب الروحية



"اصحوا واسهروا لان ابليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه هو". (1بط5: 8)
"من اجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا ان تقاوموا في اليوم الشرير وبعد ان تتمموا كل شيء ان تثبتوا". (اف6: 13)

الحروب الروحية قد تأتي إلى الإنسان من: داخل نفسه ، أو من الشيطان ، أو من العالم ، أو من الناس الأشرار.
إن تراخيت مع الحواس ، فإنك بذلك إنما تحارب نفسك بنفسك ، ومن هنا كان التأمل في صور القديسين ، وسماع أخبارهم ، وسماع الألحان والقداسات ، وجو الكنيسة من بخور وأنوار وأيقونات وطقوس روحية ، كل ذلك يجلب للقلب أفكاراً روحانية .

احترس من الأفكار المتوسطة ، التي ليست هي خيراً ولا شراً . لأنها كثيراً ما تكون تمهيداً لأفكار خاطئة . فالذي لا يضبط فكره ، وإنما يتركه شارداً هنا وهناك ، قد يرسو على موضوع خاطئ ويستقر فيه ... إذا أتعبك الفكر ولم تستطيع أن تنتصر عليه ، اهرب منه بالحديث مع الناس . اهرب الى الله بالصلاة.
صل قائلا:
حارب يارب في ، وانتصر على أعدائي وأعدائك ، ولا تتركني وحدي.
أنا إن انهزمت يارب أمام الخطية ، فأنا لا أزال إبنك ، محسوب عليك ، ومنسوب إليك ، أنا من قطيعك وإن كنت قد ضللت . وأنا ابنك وإن سكنت في كورة بعيدة . أنا مازلت درهمك وإن لم أكن موجوداً في كيسك ..
أنت لا تتخلي عني يا رب، وأنا لا أتخلي عنك ، مهما حاول العدو أن يوجد انفصالاً بيني وبينك . إن كنت قد تركتك بالفعل ، فأنا لم أتركك بالقلب ولن أتركك . مازلت أحبك ، وإن كنت قد أخطأت إليك.

(من كتاب الحروب الروحية للبابا شنودة الثالث)

الخميس، 31 ديسمبر 2015

الاعمال الادبية والفنية


ان جمال حركة جلمود من الجليد مرجعه الى 1/8 كتلته فقط الظاهر فوق سطح الماء. في احسن الاحوال يستطيع الاخراج السينمائي ان يغتنم ثمن 1/8 عمق القصة، فهل نأمل يوما 7/8 العمق القابع تحت سطح الماء؟

غالبا ما تكون اروع الفقرات في قصة هي تلك التي نستشعر فيها حركة باطنية لعقل المؤلف نحو حقيقة من حقائق الحياة، وننتبه الى ان عقلنا نحن انفسنا يتسع بعمق تفكيره وتامله.

ان الراوي احيانا ما يأخذ القارئ في رحلة ذهنية داخل عالم رمادي لا تستطيع الكاميرا ان تطرقه.

عندما تكون ثمة صورة مرئية في القصة اوثق ارتباطا بالفقرات الفلسفية بها، فان ذلك يفيد في قدح زناد التأمل الفكري لدى القارئ.
يمكن رسم الشخصيات من خلال المظهر، او من خلال الحوار، او الفعل الخارجي او الداخلي، او من خلال عيون الاخرين او التناقض.

عندما تبني حكاية بأسرها بحيث يكون لكل شئ وحادثة وشخص فيها معنى رمزي متشابه او متطابق، تعرف الحكاية بوصفها قصة رمزية او مجازية (اليجوري) .

الفيلم مجال تعبيري فريد من نوعه. فهو اداة لرواية الحكايات ويشارك القصة والرواية في عناصر كثيرة. لكن اعظم فرق بين الفيلم والقصة والمسرحية هو انه ليس سلسا هينا يمكن تجميده بفاعلية على الصفحة المطبوعة. الفيلم يعتمد على عناصر اخرى غير مكتوبة. فالسيناريو يتطلب ملء الفراغات بخيالنا الى حد لا نستطيع معه حقا ان نقترب من تجربة الفيلم بمجرد قراءته.

في كل حكاية تقريبا يوجد عنصر اومؤثر عاطفي قوي.