الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019

الكتاب المقدس بلا رتوش


جولة معك ايها القارئ في كتاب "الكتاب المقدس بلا رتوش" لديفيد ويصا. وهو من اروع الكتب التي قرأتها وتحاول تقديم مفهوم الوحي وصوﻻ الى حل اشكاليات يراها البعض في كتابنا المقدس.


يقول المؤلف في المقدمة:
ان كان هذا الكتاب يستهدف الباحث الذي يبتغي فهم الكتاب المقدس دون ان يتغاضى عن اشكالياته الكثيرة. الا انني ساختم كتابي برسالة الى كل مسحي يبتغي تعاملا يوميا مع الكتاب المقدس بعد ان يكون ادرك اشكالياته الحقيقية دون رتوش.
ارجو من الله ان يكون هذا الكتاب جسرا يمهد الطريق امام كل باحث ومفكر، ايا كان خلفيته، للوصول الى فهم ناضج للكتاب المقدس وللاله المعلن على صفحاته. فيكون العقل الذي وهبه الله ايانا، لا حجر عثرة بيننا وبين الله، بل وسيلة فهم وجسر يصل بنا الى الله.
طبيعة وحي الكتاب المقدس:
في محاولتنا لفهم الوحي يقابلنا 4 نقاط ينبغي مناقشتهم وهي:
1- الوحي والغموض:
كما ان غموض طبيعة الرب يسوع المسيح – كونه الله وانسان في آن واحد – لا يدفعنا لانكار الوهيته لحساب انسانيته، او العكس. هكذا الوحي، لا ندرك بالضبط ما هي طبيعته. لكن غموض طبيعة وحي الكتاب – كونه الهي بشري. لا يدفعنا لانكار الوهيته لحساب بشريته ولا يلزمنا بالتمسك بالوهيته على حساب بشريته.
2- العصمة:
العصمة تعني صدق الكتاب المقدس في كل ما قصد الله ان يقول فيه. وهي افتراض يبنى على ايماننا ان الله صادق، فالعصمة تنبع من الايمان، وهي افتراض مبدئئ ..
ان اتضاع المعرفة يقضي بالاعتراف بان هناك بعض احداث الكتاب التي لا يمكننا ن نفحصها.. لان العم يبحث في المنظور وحيث ان الله ليس منظورا فهو خارج نطاق البحث العلمي (المجرد)، اي يجب ان يكون بحثنا يرتكز على ركني العقل والروح معا). ان العلم (في نواح كثيرة) لا يعترف بما يسمى اليقين المطلق او الشك المطلق،
3- ارامية الحوار ويونانية السرد:
البشائر الاربعة ليست سردا تفصيليا لكل ما قال وفعل الرب يسوع، بقدر ما هي انتقاء مهدّف لبعض ما قاله المسيح وعمله.. والحقيقة ان الرب يسوع كان يتحدث الارامية . لكن البشائر الاربعة كتبت باليونانية وليس الارامية، فالبشائر الاربعة اذن ليست مجرد تسجيلا حرفيا لما قاله بلغته الارامية قدر ما هي اعادة صياغة باللغة اليونانية مما يعنى ان البشييرين الاربعة لم يتقيدوا طوال الوقت بالالفاظ التي قالها المسيح حصريا – قدر ما يعنيهم صياغة محتوى ما قاله المسيح ، بطريقة تخدم غرض بشارتهم، فكل بشارة كانت تهدف لالقاء الضوء على جانب معين.
4- عبرية الاصل ويونانية الاقتباس:
ان اقتباسات العهدالجديد من القديم قائمة على النص اليوناني، اي الترجمة السبعينية. وهذا يفسر الاختلافات اللفظية بين الاقتباس الذي نقراه في العهد الجديد، والنص الذي نقراه في العهد القديم.
على سبيل المثال، "لكي يتم ما قيل باشعياء.. هوذا فتايّ الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي"(مت12: 17-18) حين نذهب للنص العبري نجد "هوذا عبدي الذي اعضده، مختاري الذي سرت به به نفسي". وهو تقريبا نفس المعنى.
***
مصادر الكتاب المقدس:
في افتتاحية انجيل لوقا، يحدد القديس الهدف من كتابته الانجيل كما يحدد مصادر استند عليها بقوله "كما سلمها الذين كانوا من البدء معاينين وخداما للكلمة". وهذا يعني بحال ان الكاتب استخدم الامكانات الطبيعية المتاحة من وثائق لكي يكتب لمعاصريه ثم قام الكاتب بقيادة الروح القدس بانتقاء الصحيح منها والضروري منها بحسب قصد الله ن السفر، وهذا لا يعيب الوحي او يقلل منه.
***
نظريات الوحي:
في محاولة فهم طبيعة الوحي نجد 5 اراء وهي:
1- نظرية الوحي الطبيعي او الالهام:
مثل الهام الشعراء، اي ان الكاتب من واقع خبرته ومعرفته واختباره لله قرر ان يكتب وجهة نظره دون اي تدخل من اله. وهذه النظرية تتعامل مع الكتاب باعتباره انساني فقط. وتتجاهل كونه "من الله" مما يجعلها غير متسقة مع شهادة الكتاب.
2- نظرية الوحي الجزئي:
الله اوحى للكاتب بجزء، وطرق له حرية التعبير في جزء اخر، فما اوحى به الله عصمه من الخطا وما لم يوحي به عرضة للخطا. ومما هو واضح ان النظرية لا تضع حدودا واضحة بين ما هو موحى وما هو غير ذلك.
3- نظرية الوحي الفكري:
الله اوحى بفكرة للكاتب وتركه يكتبها باسلوبه وثقافته. هذه النظرية تغفل ان الالفاظ هي وعاء اللغة، فبدون الفاظ واضحة قد تفقد الفكرة معناها وقد تتشوه.
4- نظرية الوحي الاملائي:
الكاتب هنا مجرد قلم في يد الله.
5- نظرية الوحي اللفظي:
الله اوحى للكاتب، واستخدم الكاتب الفاظه وثقافته للتعبير عن اعلان الله، لكن الله اشرف على اختيار الكاتب لالفاظه ليكون المنتج النهائي للوحي هو ذات الالفاظ التي قصدها الله. هذه النظرية قد تبدو مشابهة لنظرية الوحي الاملائي، لكنها تضع في الاعتبار ثقافة الكاتب وخلفيته. ويقول احدهم:
حينما ينتهي كتبة الوحي من قول كل ما يريدونه. سيقول الله: هذا هو ما اريد ان اقوله بالضبط!
يبدو ان نقطة ضعف هذه النظرية هي حين تتواجه مع اخطاء النسخ واضافاته، اذ تنطبق مفهومها على النسخة الاصلية فقط، وحيث اننا لا نملك اي مخطوطة اصلية فهذه النظرية قد تتحول لنظرية مجردة غير قابلة للتطبيق.
***
ثم يستعرض المؤلف بعض النصوص التي يستخدمها المشككون في الطعن على صحة الوحي - في محاولة منه لاعطاء الفرصة لكل قارئ ان يفهم طبيعة الوحي كما هي ، والنصوص التي اختارها 17 نصا. احببت ان اشارك القارئ ببعضها:
اخطاء اخلاقية:
ذكر ان لوط زنى ببناته (تك19). لا يمكن ان نصف ما حدث الا بخطا اخلاقي عن لوط الذي شهد له الله انه بار. فكيف يستقيم الامر؟
للاجابة ، ينبغي علينا ان نفرق تماما بين ما يامرنا الله به وبين ما يسرده الروح القدس.. فالانسان لا يتعلم فقط من الاخلاقيات الصحيحة بل ايضا من الخاطئة فيتامل نتائجها ليتجنبها.
ليعلمنا انه لا يوجد من هو اكبر من الخطية، وفي نفس الوقت لا توجد خطية اكبر من نعمة الله وغفرانه.
اخطاء تعليمية:
اقتبس الرسول قول اليفاز "الاخذ الحكماء بحيلتهم، فتتهور مشورة الماكرين"(اي5: 13) في (1كو3: 19). كما اننا اعتدنا اقتباس العديد من اقوال الاصدقاء الثلاثة في عظاتنا على انها وحي الله، مع انه ذكر في نهاية سفر ايوب قول الرب "لانكم لم تقولوا فيّ الصواب كعبدي ايوب" اي42: 7).
تاتي المفاأة حين نراجع اقوال ايوب بالمقارنة مع اقوال اصحابه عن الله، فنجد ايوب يقول ".. احسن عندك ان تظلم؟.. افتبتلعني؟..
هل هذا خطأ تعليمي؟
المشكلة ليست ما قاله اليفاز عن الله خطا بالمطلق. بل ان ما قاله لم يراع حالة ايوب وحزنه ومرارته. فبدل من الوقوف في صف ايوب (لمواساته) وقف في صف الله (مدعيا) الدفاع عنه ضد ايوب. فالصورة التي رسمها اليفاز عن الله صورة مشوهة لانها لم تساعد ايوب في التغلب على حزنه بل دفعته لاتهام الله بالظلم .
لم يقصد الله ان ما قاله ايوب صحيح في المطلق، فحاشا لله ان يكون ظالم وهو "اله امانة لا جور فيه"(تث32: 4). بل قصد ان ايوب كان صادقا في التعبير عن الامه وحزنه حتى وان خانه التعبير، لكنه انساق مدافعا ع نفسه ضد اتهامات اصحابه له. وقبل ان يترك ايوب الله ارسل اليهو لكي يعيد الدفة ويسترد صورة الله الصحيحة لذهن ايوب. ثم تبعه بظهور الله له . فالله قبل ان يعطي الدواء لابد ان يكشف الداء ، وقبل ان يضمد جراح ايوب لابد ان يسترده له.
قصد الكتاب اذا ان يعلمنا ان المتالم يحتاج ان يرى اله فينا اكثر من ان يسمع عنه منا.
وحسنا قال الكتاب اولا "ولم يكلمه احد بكلمة، لانهم راوا ان كابته كانت عظيمة جدا". فكثيرا ما يحتاج المتالم الى عين تذرف الدمع معه واذن تصغ الى انينه ويد تعانقه اكثر من فميستذنبه كما فعل اصدقاء ايوب.
اخطاء طبيعية:
"الجالس على كرة الارض وسكانها كالجندب.. الرب خالق اطراف الارض.."(ش40: 21- 28). والسؤال هو: "هل كان اشعياء يعلم ان الارض كروية؟". الاجابة لا.
ان قصد اشعياء لم يكن اعطاء معلومة علمية للشعب. اشعياء يرسم امامهم 3 صور ليكشف لهم عن سلطان الله.
"اساسات الارض" فتلك الارض التي علقها على لا شئ ثابتة رغم عدم وجود اساسات لها.
"دائرة الارض" وهي الترجمة الادق. فتلك الدائرة التي يجلس الرب سيدا في مركزها وكل سكانها كالجندب حوله، هو في الواقع ملكها وخالقها، فلا دجاعي للقلق والخوف من سكانها.
"اركان الارض" فتلك الارض التي لا تستطيع عين بشر وقتها ان تصل لنهايتها واطرافها، هي في الواقع بين يدي الله الغير محدود.
اخطاء جغرافية:
مقارنة (مت5:1) مع (لو6: 13) ، سنجد انفسنا امام خطا جغرافي واضح. لان متى يقول (جبل) ولوقا (سهل).
ان لوقا يهتم اولا وقبل كل شئ بشرح (ما حدث). بينما يهتم متى وقبل كل شئ بشرح (لماذا حدث). فنجد في مواضع كثيرة يقول "لكي يتم ما قيل بالانبياء..".
يهتم لوقا برد الاحداث كما حدثت، بينما متى تجميع الاحداث المتشابهة معا .. ففي موضوع العظة على الجبل نفهم من لوقا ان المسيح لم يقل كل هذه العظة دفعة واحدة.
لكن يظل السؤال قائما : لماذا قال متى (جبل) بينما قال (لوقا) سهل؟
كان متى يريد اظهار الرب يسوع كمن هو اعظم من موسى. فقرر ان يجمع عظات المسيح وينسبها لموقع جغرافي يتناسب مع غرضه اللاهوتي ، فاختار الجبل. فهناك موسى يستلم شريعةالله على الجبل. وهنا المسيح يلقي بشريعته على جبل. هناك موسى قال "هكذا قال الرب" وهنا المسيح يقول "واما انا فاقول".
لا ينبغي ان نندهش من كون متى له غرض من كتابة امجيله. فهل يصح ان يستبعد القاضي كل الادلةة التي يسوقها المحامي ووكيل النيابة لان لكليهما غرض؟

موشوعات ذات صلة: