‏إظهار الرسائل ذات التسميات اعترافات اغسطينوس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اعترافات اغسطينوس. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 مايو 2019

اعترافات اغسطينوس #3



هل تفك السلاسل؟
يا رب، من مثلك؟ انت كسرت قيودي.
علمت ان لا طريق يؤدي الى الحياة، غير طريق الفادي يسوع المسيح. فراق لي ذلك، الا انه قد شق على السير في ذلك الطريق الضيق.
زال عني هيجان الشهوات، والشرور خمدت براكينها، وقامت مقامها لذة محبتك وبهجة نعيمك السماوي، فاصبحت مأسورا بحبالها وربطها الحلوة.
كنت في اضطراب شديد من جهة الزواج. لان ميلي الطبيعي الى الزواج كان يستوجب مني ان اقهر نفسي لو انني عدلت عنه.
ارادتان:
كنت مقيدا بقيو من ارادتي الخبيثة. نعم، ثار عندي ارادة جديدة، واتوق الى التمتع بك، ايها الاله. ولكن هذه الارادة لم تصر بعد قادرة على تلك الارادة الاولى، التي بتمادي الاستعمال صارت قادرة.
فهاتان الارادتان: القديمة والجديدة، طحنتا نفسي وعركتاها.
كنت كالنائم المستعذب احلامه. فلا يننهض من رقاده مع انه لا يرغب في الرقاد دائما. فاني مع معرفتي ان تسليم نفسي ليد رافتك خير لي، كنت اترك نفسي تنقاد لهذه الشهوات.
المسني كما لمسته:
قد وجدت الدرة الثمينة، ولم يتبق علي الا ان ابيع كل شئ في العالم واشتريها. ولكني عند هذه النقطة وقفت محتارا لا اعرف ما اختار.
هبط عليّ من لدنك الهام بان اتوجه الى سيمبليسيان، الذي كان القديس امبروز يعتبره كاب له، تلمع من خلاله اشعة نعمتك.
احببت ان احدثه بخصوص حالي، واخبرته بانني طالعت مؤلفات افلاطون، التي اهتم بنشرها فكتوريانوس.
اورد لي هذا العلامة خبر فيكتوريانوس المذكور تحريضا لي على اعتناق الاتضاع المسيحي، وكيف ان هذا الشيخ الكبير ارتد طفلا في احتفال العماد المقدس، وطاطا راسه حاملا نير المسيح على عنقه.
يا ايها الاله، ارجوك ان تقول لي باي شئ مسست قلبه؟
عطر الازهار يعبر البحار:
وافانا في منزلنا رجل من ذوي المناصب العالية، وقعت منه التفاتة على كتاب موضوع عل طاولة اللعب امامنا. فتناوله ، فاذا به رسائل القديس بولس.
فاخذ يجاذبنا الكلام عن امور مسيحية، لي ان افضى به الحديث الى خبر العظيم انطونيوس كوكب البرية الذي به ابتهج القفر وازهر ازهار الترجس في القطر المصري.
في الحال:
اظهرنا استغرابنا من سماع هذه الاخبار التي جرت بامدادات نعمتك ، وفيما كان يرويها كنت ايها الرب توجهني نحوك. وفيما كنت اشيح بنظري الى الوراء كنت تضعني امام نفسي لارى ما انا عليه من الشناعة والقبح، ولكن اين المفر؟
منذ شبابي سالتك (امنحني الطهارة والعفة) ولكن ليس في الحال، كنت اخاف ان تشفيني من مرض الشهوة التي اثرت اشباعها على ترويضها.
ها ان من تحررت كواهلهم يطيرون على اجنحتهم، حينئذ ولجت الى نفسي، وباسواط فكرية جلدتها، حثا لها على اللحاق بي في السير وراءك.
فوران:
وفي اثناء تلك المعركة الضارية هرعت الى صديقي اليب، وصرخت قائلا: ماذا نعمل ههنا؟ اما سمعت؟ الاميون يغتصبون السماء اغتصابا، ونحن بعملنا الفارغ نتمرغ في اللحم والدم ووحل النجاسة! لماذا لا نخجل البتة من عدم اللحاق بهم؟
وما قلت هذا القول الا وفوران قلبي قذفني عنه بعيدا، وهو ينظر الي في دهشة وكانت ملامح وجهي تدل على تاثري وهياجي.
العراك الاخير:
وكان بستان على جانب بيتنا، فدخلته. واليب احب ان ياتي ورائي وهنا كنت اغبي من غضبي على نفسي، فقدت لبي (عقلي) فكنت الطم جبهتي، وانتف شعر راسي، واضرب على ركبتي بيدي.
وهانذا فاني ان كنت مترددا في امري بين ان ارجع الى الله او ابقى على الشر الذي كنت انا الذي اريد، وانا الذي لا اريد. ولذلك ولع العراك بيني وبين نفسي.
كنت مريضا لا بل في حال النزاع، وانا احاول قطع ذلك الحبل الصغير الذي تبقى من رباكات قيودي. ولذلك كنت اقول لنفس: لنعمل ذلك الان!
كيف انسى احلام الصبا:
عاداتي الماضية، ان استيقظت تقدمت مني ضعيفة، شاحبة اللون. وان رقدت هيجت في اللذة والرضا واوهمتني بات ات الفعل عينه. تؤثر على جسدي هذه الرؤى الوهمية فتنال مني نائما ما لا تستطيع ان تنال مني مستيقظا.
هل انا غيري (اثنان) ايها الرب الهي؟ اليست يدك قادرة ان تطفئ بكثرة رحمتك نزوات نفسي اثناء الرقاد؟
امي:
تربت والدتي على النزاهة والعفة والطاعة. وكان الفضل لعنايتك، ولما تزوجت بذلن كل جهدها في رد زوجها اليك. كانت ترشده باعمالها، حتى ان زوجها كان يبادر لها الاحترام والمحبة، مع انه لم يكن نحوك على شاكلتها، ولما كان يشتعل غضبا كانت تلاطفه من غير ان تكدره، وهكذا كان تصرف مونيكا مع حماتها التي كانت في اول الامر تعنفها، الى ان رسخت بينهما المحبة، وتمكنت اخيرا من ارجاع زوجها الى ايمانك.
ذهبا ولم ترجع معه:
ولما اتفق انا وامي ان اجتمعنا وحدنا في شرفة تطل على حديقة، جرى بيننا الحديث في امور كثيرة، حتى ارتقينا اليك ايها الخالق الحبيب، وتلك الارض العلوية. حيث انت تغذي اوليائك من قوت الحقيقة.
وفيما كنا نتحدث اذ بعاصفة من زفرات قلوبنا حملتنا بالروح الى هناك. وبعد خمسة ايام مرضت امي بالحمى، وفي مرضها اختطفت بالروح، ولما رجعت سالتنا: اين كنت انا؟ وبعد برهة فارقت نفسها جسدها.
اعترافاتي، لك ولهم:
اعترافاتي هذه اقدمها اليك لا بالفاظ واصوات، بل بهتاف الفكر الذي تعرفه اذنك.
ما لي وللبشر؟ واي حاجة لهم من سماع اعترافاتي؟ يا جيلا دفعه فضوله الى معرفة حياة الاخرين، ومنعه خموله من اصلاح حياته الخاصة!
لماذا يريدون ان يعرفونني ويابوا ان يعرفوا منك، من هم؟
ان اقراري بالخطايا الماضية المغفورة، يحيي قلب من يقراه، ويمنعه من ان يستسلم للياس، ويوقظه على عذوبة نعمتك التي تقوةى الضعفاء.
هذه هي الثمرة التي ارجوها من اعترافاتي.
القديس ناسكا:
توجه اغسطينوس بعد موت والدته الى قرطاجنة حيث اختلى مع بعض اصدقائه في مزرعة له بالقرب من مدينة تاجست. وهناك اقاموا ديرا مكث فيه 3 سنوات معتزلا ومنقطعا للصوم والصلاة والهذيذ في كلمة الله.
ثم قسا واسقفا:
ذات يوم ذهب الى مدينة هيبو لغرض ما ولما كان اسقفها يبحث عن رجل لترشيحه للكهنوت، امسك الشعب باغسطينوس واتادوه الى الاسقف طالبين رسامته كاهنا لهم.
استعفى اغسطينوس بدموع غير ان الشعب الحّ فقبل مرغما.
واذ اظهر براعته في الوعظ رسمه اسقفا ليكون خليفة له سنة 395 وعمره 41 عاما . وفي السنة الخامسة من حبريته كتب كتاب اعترافاته هذا.
عيون .. وعيون:
وبعد ان اذاب شمعته في خدمة شعبه، رقد في سنة 430م.
وقد ثبت عينيه اثناء مرض نياحته على كزامير داود ليلهج فيها باجفان دامعة حتى ارتخت وانغلقت لتفتح من جديد على الابدية الني اشتهى جمالها طوال عمره.
لما انكسرت القارورة:
ام عظاته وتعاليمه وتفسيره للعديد من الاسفار المقدسة فقد فاضت مع عطر مناجاته واعترافاته وتسابيحه في كل اقطار العالك.
وانكسرت جرة جدعون:
كما تفجر نور الكرازة والخدمة من رهبان اديرته التي اسسا ، بالرغم من هجمات البربر ورغبتهم في ابادة تلك الاديرة.

السبت، 25 مايو 2019

اعترافات اغسطينوس #2



سراب اسمه الراحة:
اتفقت مع عديد من الاصدقاء على ان نعيش عيشا راضيا خاليا من مشاق الحياة. واتفاقنا كان على هذا، ان نجمع كل ما لنا الى صندوق واحد عام، لتكون اموالنا مشتركة كامالنا. وكان عدد لفيفنا عشرة. وبعضهم كانوا اصحاب ثروة طائلة، وقد اتفقنا ايضا على ان نستبدل كل سنة اثنين منا، يتوليان الاهتمام بلوازم معيشتنا.
ولكن هذه كانت قصورا بنيناها في الفضاء، لان بعضا منا اخذوا يحتجون بان عندهم زوجات ، وهذا الاشتراك لا يتفق مع وجود زوجات ومن ثم تبدد شمله للحال.

الحيارى الثلاثة:
اليب ونبريد هما اخص خلاني، اللذان اتحدث معهما بدالة وحرية. اليب كان من مواطني ، من اسرة وجيهة، وكان يحبني للغاية، سبقني الى روما لدرس الشرع والقانون المدني. وقد حضر معي الى ميلانو، ليكون قريبا مني، وكنت انا وهو في ميلانو متلاصقين قلبا لقلب، وبيتا لبيت. ولكن لم يكن حاله الا كحالي: في اضطرابنا وترددنا في اي طريق يكون مسيرنا، والى اين ينتهي المطاف؟
كذلك صديقي نبريدترك بلدته وجاء الى ميلانو يقصد ان يكون مشاركا لي في المعيشة، وفي البحث والتحري عن الحقيقة والحكمة.
تلهف الى الحياة السعيدة، والى التعمق في البحث عن المسائل العويصة.

نئن جوعا:
كنا كمن اضناهم الجوع نفتح افواهنا تلقيا للطعام ، واذ لم يكن امام اعيننا غير ظلمات مدلهمة، كنا نلتفت الى الوراء صارخين من مرارة قلوبنا: الى متى هذه الحالة التعيسة؟ ومع هذا كنا متباطئين.
وانا ، ها هي ثلاثون عاما قد مضت علي وانا باق اتمرغ في وحل شهواتي الدنيوية. احببت السعادة لا حيث هي، ورحت ابحث عنها، هاربا منها. كنت اظنني شقيا ان حرمت من تقبيل امراة. ولم يكن يخطر ببالي ان نعمتك تقدر على ازالة هذا الضعف عنا.

مثل الخنزير:
ويحي! لان اثمي تعاظمت اكثر من ذي قبل. نعم، ان تلك المراة التي كانت عندي، قد انفصلت عني، وعادت الى افريقيا، وعاد اليها رشدها. ولكن انا الشقي لم اشا ان اقتدي بتلك المراة، وسلمت نفسي الى غيرها.
ويل لي، من عبد ذليل للشهوة القفبيحة، وقبحا لتلك القاذورات التي كنت اتمرغ فيها كالخنزير.

او مثل حشرة انقلبت على بطنها:

في عمايّ وجراحي لا استطيع ان اتصور نور الجمال الذي يجب ان اعانقه، حبا به، هذا الذي لا تبصره عيناي اللحمية ولا يرى الا من عمق اعماق النفس.
اه، من السبل المعوجة!
الويل لنفسي كيفما انقلبت على جنبها او بطنها تجد كل شئ قاسيا اذ لا راحة لها الا فيك. 
وانت ايضا يا حياة حياتي، تمثلتك كائنا عظيما تخترق من كل جانب في الاجواء اللا محدودة، الكون باسره، اعتقدت بانك تخترق السماء والهواء والبحر واليابس في كل جزء منها صغير وكبير ليعانق حضورك.

اصل الشر:
وكان يعوزني البحث عن اصل الشر ومصدره. لم اقتنع باضاليل ماني واتباعه فيما يتعلق بوجود الهين: احدهما صالح، وهو الفاعل الخير ، وثانيهما طالح، وهو العامل الشر.
وكنت اسعى واجتهد لاتفهم هذا الامر، عند تاملي ان لي ارادة، وهذه الارادة كنت متاكدا من وجودها في. فاستدللت من ذلك ان هذا الاختيار الحر المطلق، انما هو مصدر الشر واصله.

دائما .. صانع الخيرات:
عرففت ان جميع الاشياء مخلوقةمنك. وان ما خلقته حسن. وان الشر الذي ابحث عنه جهدي، لم يكن من الاشياء الموجودة.
انما الشر هو تمرد الانسان الذي ينسلخ بهواه عنك ايها الخير السامي. وبسبب تشامخه يفقد رشده ويخرج عن دائرة نفسه فيفقد خيره الصحيح.
فلتسبحك الملائكة وجنود السماء، والشمس والقمر والنجوم، وجميع النيرات وسماء السموات، والمياه التي فوق السموات.

نور وطعام:
ان اهم ما استفدته من تاليف افلاطون، انما هو انني بمعاونة نعمتك، اخذت الج كداخل نفسي، طالبا نورك الدائم الازلي، معرضا عن الامور الدنيئة الحسية.
ايها الحقيقة الازلية والحب الحق السرمدي، ما ان عرفتك لاول مرة حتى رفعتني اليك لتريني ما يجب على ان اراه دون ان استطع الى ذلك سبيلا، وبهرت عيني الضعيففتين باشعاعك الساطع، وكاني كنت اسمعك (انا غذاء اليافعين، لن تحولني اليك كالطعام بل انت تتحول الي).

اقوم:
عندما ترويت في جمال هذه الموجودات، قضيت في نفسي بانه لا يمكن ان يتصور نظام افضل.
وهانذا اخيرا توصلت اليك وعرفتك.
واسقط:
ولكن لسوء حظي ما تمكنت من التمتع بك، الا كلحظة وطرفة عين لانهعندما كان ضياء نورك ، الذي لاحظته، يرفعني اليك، كان في الحال ثقل العبء، الذي القته على منكبي تلك العادات الدنسة، يضغط علي ضغطا هائلا، ويجرني جرا الى الدنايا الخسيسة.
ذلك قبل ان اعانق الوسيط بين الله والناس يسوع المسيح. والطعام الذي يختلط بالجسد ل استطع ان اتناوله.


المعرفة تحتاج النعمة:
لقد حصلت من مطالعة مؤلفات افلاطون على بعض النفع. بعد ادراكي ان الحقيقة تستقصى وراء عالم الاجساد رايت ان "امورك غير المنظورة.. مدركة بالمصنوعات"(رو1: 20)، فايقنت انك موجود، وانك لا متناه، انما بقيت مقصرا عن التمتع بك ورحت اثرثر مدعيا المعرفة، ولو لم ابحث عن السبيل في المسيح، مخلصنا، لصرت الى الهلاك.
لقد عكفت على مطالعة كتبك، ولا سيما رسائل بولس الرسول، وبذا عرفت ان اول حركة تنبهنا الى التماس الحكمة، انما هي من فضل نعمتك.
فكيف يقدر ان يتغلب الانسان على ما في جسده من "ناموس الخطية الكائن في اعضائه"(رو7: 3)؟
وماذا اعمل انا الانسان الشقي من ينقذني من جسد الموت هذا (سوى نعمتك في) المسيح يسوع ربنا"(رو7: 24).

الجمعة، 24 مايو 2019

اعترافات اغسطينوس #1


الله لا يترك نفسه بلا شاهد :

عكفت على درس الفقه والقوانين، عساي بها اترقى الى القضاة او المحاماة.. كنت الاول في الفصاحة، ممتازا بين زملائي. ولذلك رحت اتمايل تيها. 

وقع بين يديّ تاليف لشيشرون، ولما طالعت منه مقالة، يحرّض فيها الناس على طلب الفلسفة. اثرت تلك المقالة في نفسي، واستمال قلبي نحوك يا ربي، واستعرت في قلبي نار الشوق، وذلك رغبة في جمال الحكمة الدائم الخالد. كم تلهفت وقتئذ لاتخاذ جناحين لاطير بهما نحوك لان الحكمة الصحيحة انما هي لديك. 

من اين يشرق الحب: 

صارت امراض نفسي تزداد وطاتها ثقلا ، فرحت التمس لها علاجا عند الخلائق المادية، ولم يكن لي من لذة، الا في ان اكون محبا ومحبوبا، اي عاشقا ومعشوقا. 

ومع ان النفس هي التي تتجلى في الانسان باشعة لامعة، وتنبت في قلبه عواطف الحب، فانا تعاميت عنها، ولم التفت الا الى الجسد. ولا ذبت حبا، الا بنار شهواته.

الفخ: 
طوال تلك السنوات التسع الممتدة بين التاسعة عشرة والثامنة وعشرين من عمري كنت فريسة لشهوات مختلفة. 

اتخذت لي زوجة ولم تكن شرعية، اشباعا لشهوات جامحة ثم تحققت بنفسي الفرق بين الميثاق الزوجي وبين ما يرتكز على اشباع اللذة الحيوانية. 

اه يا خيري! الذي اذوب الان في حبه وهيامه، وهواه وغرامه، اين كنت وقتئذ وكم كنت بعيدا مني، او بالاحرى كم كنت انا بعيدا عنك؟ 

اني كنت تائها في بلاد الخرنوب. كم كان اشقاني! جريت وراء الجسد ساعيا اليك، فوقعت في شرك تلك المراة. ولما كنت مسحورا بدهاء الحواس، تناولت من خبزها، ووقعت في فخها. 

من يسكت الريح: 

ان مطالعة تلك الكتب الحاوية الخلاعة والمجون، تشبه في تداولها بين اولاد المدارس، نهرا يجرف اولاد حواء. ولا ينجو من الغرق فيه، الا من تمسك بعود الصليب. 

ولا اقصد بما ذكرت ذم اللغة والفاظها، لانها بذاتها حسنة وحميدة، بل عنيت تحريم تلك الكتبذ، المحشوة سطورها من السموم، واما ا نا فاني قد ش رب ت من تلك السموم را ضيا مختارا ، وامامك ايها الرب الهي اقر بذلك. 

وعليه دعوني فتى الامال ورجل المستقبل. وهكذا كانت الخيلاء تتقلبني تقلب الريح في جريانها. واما انت يا ربي، فانك وحدك كنت تدبر اموري تدبيرا قويما، من غير ان ادري. 

لا سواه ينير العقل: 

ولما كنت في قرطاجنة، وانا يومئذ في مشارف ال20 من العمر، كنت مشغولا بمشاغل الهوى والعشق، متعلقا بحب الغانيات. 

تعلمت الفصاحة والحساب والهندسة والموسيقى، ومن غير مشقة. وذلك كله انما هو من فضلك يا ربي. لانك قد انعمت علي بسرعة الفهم وقوة الحجة. وانما لكفري باحسانك، ما استخدمت هذه القوى لتمجيدك. ماذا ترى افادني وقتئذ عقلي، وما تلقيته من الدروس والكتب، على حين كنت جاهلا، لا اعرف شيئا من علم الخلاص. 

هو السلم: 

نعم كنت ابحث كيف اتمكن من البلوغ اليك، لاحظى بك. ولكن بحثي ذهب هباءا، من حيث لا وسيط بين الله ووالناس غير يسوع المسيح، فهو الذي يلزمني ان اتشبث به ليوصلني اليك. 

وهو يناديني قائلا : انا هو الطريق والحق والحياة، وهو لما رانا اطفالا صغارا، لا مقدرة لنا على الوصول اليه، والاقتداء به من حيث هو الله، صار انسانا مثلنا رفقا بحالتنا. 

لانني لم اضعه فوق راسي: 

حدتني الرغبة الى مطالعة الكتاب المقدس، وانا وقتئذ ما كنت كفئا لاعرف قدره، ولا عرفت كيف اخفض علو تشامخي، لكي اتوصل الى فهم عمق تواضعه. 

ولم تكن عيني لتمتد بنظرها الى ما تحت ظاهره وسطوره، وانا لاعتدادي بفهمي ما وجدت لي فيه نصيبا. 

اتباع ماني: 

استسلمت لايدي قوم (ماني) هم مهذارون شهوانيون للغاية، وقلوبهم فارغة من كل حقيقة، على حين كانوا ينادون دائما: الحقيقة، الحقيقة. 

فكانوا يذكرون لي الشمس والكواكب والعناصر ويدعونني الى الاعتقاد بانها الهة. 

ومن ثم كنت اتناول كلامهم، ولكن من دون لذة، اذ لم اكن اذوق لك فيه طعما. 

المنجمون: 

تبعت من جملة الخزعبلات، خرافة المنجمين. كانوا يتخذون من مراقبة النجوم والكواكب دلالة لمعرفة المستقبل. 

كانوا يقولون: لماذا تضطرب قلقا من جهة معاصيك، وفي العلاء قوة غالبة تدفعك اليها. فالزهرة مثلا تدفعك الى ارتكاب اثم كذا وعطارد الى كذا؟ 

لقد التقيت ذات يوم برجل طاعن في السن، بارع في الطب، ذي منزلة سامية، فلما عرف اني مولع بفن التنجيم، قال لي: اني لناصح لك خير نصيحة، وهي ان تطرح للنار ما عنددك من الكتب في هذا الفن، لان علم التنجيم من الخرافات الباطلة. 

فهذه النصيحة لم تجدني نفعا انذاك لاني لم اعمل بها. 

قطراتها تروي الزهرة اليابسة: 

من حسن حظي بيا الهي رزقت منك اما ، لفرط تقواها رات، على نور الايمان، وضياء روحك القدوس، ان ولدها هذا ميت بالنفس. فباتت تبكي علي بكاء، فاق بكاء الامهات على فقد بنيهم بالموت الجسدي. فلله ما اروع عطفك يا امي! 

وانت يا مولاي! قد استمعت لها. ولم تزل تلك الدموع تبلل وجه الارض من مدامعها. 

حب على الرمال: 

ابرمت عقد مودة مع شاب نشا من صغره بعشيرتي، ثم دخلنا المدرسة سويا وكنا نلعب معا. ومن ثم لم يكن لي صديق نظيره، واما انت يا مولاي، حرمتني سلوى عشرته، حيث اخذته اليك بعد قليل للراحة الابدية. 

فكان موته ضربة على قلبي. لقد كرهت كل شئ لموته. ولم اعد التذ الا بالبكاء وكنت كمن بنى حبه على الرمال، فلم تلبث ان انهدم. 

الله، طوبى لمن يحبك، ويحب صديقه فيك، ويحب عدوه بك، فانه هو الذي لا يحرم صديقا، ومحبك لا يفقدك، الا متى اراد. 

قلوبنا لا تزال في قلق مطعونة بالاحزان مهما كانت هذه الاشياء التي نحبها جميلة، ما لم نلتصق بك يا راحتنا. 

هو الجمال: 

تهوى عيناي الصور لجميلة والالوان الساعة. الله خلق هذه الاشياء الوافرة الجمال وهو وحده خيري، ولكنها طوال يقظتي تغريني. 

هذا النور الذي يغمر كل ما نراه ينساب اليّ في نهاري بالف شكل وشكل، فيداعبني ويدخل الي بقوة. 

ايها النور الذي راه طوبيا لما فقد عينيه الجسديتين وراح يعلم ابنه على طريق الحياة. انت هو النور الحقيقي. اما هذا النور المادي الذي كنت اتحدث عنه فانه يفيض على الحياة عذوبة خطرة تفرح عشاق الحياة الحميان، واما الذين يعرفون ان يمجدوك بسببه فيجمعون اشعته في الاناشيد التي يرفعونها اليك بدل ان يقعوا تحت نير عبوديته في سبات انفسهم. 

هكذا اريد ان اكون، اني اقاوم المغريات لئلا تتعثر بها رجلاي السائرتين في طريقك، وارفع اليك عيناي اللا حسيتين لكي تخلص من الشبكة رجلي. 

الفن، ارفعه نشيدا: 

كم اضاف الناس من مغريات على ما يسحر النواظر بواسطة الفن. 

اما انا، يا الهي ومجدي ، فاني في ذلك ايضا اجد نشيدا ارفعه اليك وذبيحة شكر اقدمها لمن ضحى في سبيلي، اذ ان الجمالات التي تنتقل من نفس الفنان وتتجسم صورا بين يديه صادرة عن ذلك الجمال الاوحد الذي يسمو فوق نفوسنا واليه تتوق نفسي ليل نهار. 

انا الناطق بهذه الحقائق ادع قدماي تتعثران في شباك الدمالات وانت تخلصني منها ايها الرب، تارة على اثر سقطة خفيفة، وطورا بوجع عندما يكن التصاقي بها شديدا. 


معلم ولا اتعلم:

كنت اعلم الفصاحة في المنازل، وتركت روما وقصدت ميلانو، حيث كانوا قد ارسلوا يطلبون معلما للفصاحة. 

وما القيت عصا الترحال في ميلانو حتى توجهت لمقابلة القديس امبروسيوس. فرجال الله هذا قبلني قبول اب، فانطبع حبه على صفحات قلبي. الا ان بداية محبتي هذه له، لم تكن من حيث هو معلم حق، بل من حيث تلطفه معي. 

واظبت على سماع مواعظه، حينما كان يكسر خبز اقوالك، حينما كان يكسر خبز اقوالك للشعب ويغذيه ويضرم فيه نارك، ويسكره من معانيه. ولم يكن غرضي من سماعه مقدسا، لفائدة نفسي، بل لامتحان ما اذا كان يستحق الثناء ام لا. 

سراب اسمه اللذة: 

اتذكر ذلك اليوم الذي تهيات فيه لتلاوة تقريظ بين يدي جلالة الامبراطور. وكان محشوا بعبارات التملق والمبالغة. 

وفيما كنت مشغولا بهذا الامر، التقيت لدى سيري بميلانو برجل مسكين يتسول، وهو سكران نشوان، يتمايل طربا، فقلت لرفقتي: انظروا ماذا نطلب نحن من وراء هذه المتاعب المضنكة؟ غير الحصول على سرورر، وهذا المتسول بقدح من الخمر، قد ناله، ولكن نحن، من تراه يضمن لنا نواله؟ 

نعم، ان فرح هذا السكران هو فرح كاذب. ولكن ما اطلبه انا من الفرح هو اكذب. لان ما عندي من المعارف، ما صرفته للنفع العام، ولكن لاباطيلي الفارغة. 

هو كان من الخمر نشوانا ثملا، وانا سكران من الفخرز وما هذا الفخر ، الا كاذب.

عن كتاب مختصر اعترافات اغسطينوس (سرد مع التزام بالنص الاصلي) 

روابط ذات صلة: