الأربعاء، 24 أبريل 2019

جوديت #٣

مرت ايام عدة، وفي ليلة دافئة اجتمعت الاسرة بعد العشاء. كان الاطفال يلعبون بينما النسوة يتحدثون. وجلس السيد وينبرج في كرسي واسع مريح من الخيرزان.  كانت عيناه تتأملان الاشعة الاخيرة للشمس الغاربة. وهنا قررت جوديت ان تكون هذه فرصتها للتكلم.
جدي العزيز، ارجوك اخبرني شيئا عن الله، فقد اخبرني وامي انك قرات كثيرا وتعرف اشياء كثيرة.
لقد درست كثيرا ويسرني ان اجيب على تساؤلاتك يا طفلتي العزيزة!
كثير هو الذي اريد معرفته..
قاطعتهم والدة جوديت مشاكسة:
"انها الاسئلة الفلسفية الكثيرة عن الله. لققد اتعبتنا بهذه الاسئل المتكررة. لو كانت جوديت ولدا لاصبحت اعظم رابي عاش على الارض".
من فضلك يا امي، اني لا اضايقك الان باسئلتي. انني اريد ان اكون تلميذة جدي المجتهدة.
اقتربت جوديت بكرسيها الى جدها، واضعة يديها المتشابكتين على ركبتيها، ورفعت وجهها نحوه وقالت "والان نبدا الاسئلة"
اجابها بلطف "من الان ان تبدأي الان والا..
حسنا اذا.. اولا وقبل كل شئ: من هو يسوع؟ اي نوع من الناس كان هو؟
علت وجه الربي العجوز الرصانة والجدية، ونظظر بصرامة الى وجه الطفلة وهو يخاطب امها "معك حق . ان جوديت تشغل بالها بافكار جدية بزيادة".
لماذا يا جدي؟ هل هذا سؤال صعب.
انت تعرفين يا ابنتي ان هذا السؤال ليس صعبا في ذاته، ولكن هناك بعض الاسئلة تكون غير مفيدة لكل الاشخاص. ولكن كنت متشوقة ان تعرفي فسأخبرك.. منذ حوةالي 2000 عام عاش اباؤنا في فلسطين، تلك الارض الغالية. في ذلك الوقت كانوا لم يكونوا مشتتين في كل انحاء المسكونة كما اليوم.
قاطعته جوديت "اليست روسيا وطننا؟"
لا يا ابنتي روسيا ليست وطننا. انها وطن الامم الوثنيين. ان وطننا الحقيقي هو فلسطين.
واردف:
"منذ الفين عام عاش شخص يهودي وهو ابن نجار فقير من الناصرة، وادعّى انه المسيا الموعود به. هذا الشخص يدعى "يسوع". كثير من اليهود انخدعوا به واعتبروه "ابن الله"، زاد تاثيره بسرعة بين العامة. لكن حكماء الشعب راوا تعليمه دمارا وخطرا كبيرا على الامة. لقد تنباوا انه لو نما الى علم الرومان اخبار هذه فمن المكن ان يأتوا ويدمروا اورشليم والهيكل موضع فخرنا.
لذلك فقد عقدوا مجمعا وتشاوروا. وكانت المشورة الحسنة من رئيس الكهنة بانه من المناسب ان يموت شخص عن الامة ولا تهلك الامة كلها. ووافق باقي الحكماء. وهكذا تقرر ان يقتلوا يسوع المحتال.
كانت المؤامرة حكيمة وناجحة ايضا، على الرغم من معرفة اتباعه بها، غير انه لم يكن خائفا لانه كان يعتمد على تاييد وحماية الجموع. ولكن الشيوخ كانوا حريصن جدا لذا قرروا ان يكون القبض عليه ليلا. وقدم واحدا من تلاميذه وعدا ان يدل على مكانه السري حيث كان يقضي يسوع معظم الليالي مع تلاميذه، الذين بدلا من ان يدفعوا عنه هربوا جميعا.
وعمل رؤساء الكهنة والشيوخ كل ما في وسعهم.. وفي النهاية مات يسوع مصلوبا.
كان من المفروض ان يلقى جسده في وادي بن هنوم كما هو جدير بمجرم نظيره. ولكن خطأ قاتلا حدث في ذلك الوقت بسبب اهمال الشيوخ، اذ ان واحدا من اتباعه السريين، ورغم كونه عضوا في مجلس الشيوخ، الا انه ذهب الى بيلاطس وطلب منه ان يأخذ جسد يسوع قبل ان يعلم احد من مجلس الشيوخ. وهكذا اخذ جسده ودفنه في قبر جديد ببستانه كما هو جدير بشرفاء واغنياء الشعب.
بعدما حدث هذا اصبح الوقت متأخرا جدا لكي يعمل الشيوخ اي شئ دون معاداة الحكام، ولكنهم تذكروا ان يسوع قال انه سوف يقوم من الموت. لذا خافوا ان يأتى رفقاؤه ويسرقون جسده ويدعّون قيامته. وليمنعوا هذا ارسلوا الى بيلاطس يخبرونه بمخاوفهم وطلبوا ضبط القبر. وبالفعل عسكر الحراس حول القبر وهدأت الامور، وبدأ الشعب ينشغل باستعدادات عيد الفطير. غير ان تلاميذه لم يقفوا مكتوفي الايدي. في احدى الليالي نجحوا في تنويم العسكر، او ربما اخافوا اولئك الامم الذين يعتقدون في الارواح الشريرة، لدرجة انهم صاروا مشلولين من الرعب. وعندما عادوا الى رشدهم وجدوا ان الختم الذي على القبر مكسورا، والحجر الكبير الثقيل مدحرجا عن فوهة القبر، والقبر خاليا تماما. لقد سرقت الجثة.
عندئذ اذاع اتباعه انه قام من الموت. بعد ذلك حملوا هذا الخبر الى العالم. بل انهم قالوا انهم راوه صاعدا الى السماء بكونه ابن الله. بالطبع هذه كانت خدعة ولا احد منا يصدقها.
بهذا انهى الربي وينبرج قصته عن يسوع.
كانت جوديت تستمع بانفاس متلاحقة الى تلك القصة. وبعد عدة دقائق من الصمت، رفعت عينيها الى جدها وقالت بصوت خفيض متهدج "ولكن ماذا اذا كان يسوع فعلا هو ابن الله المسيا المنتظر؟"
واذ تذكرت قصة الحمل اضافت: "ماذا اذا كان قد مات كحمل الله عن شعب اليهود وشعوب العالم كلها؟".
قفز السيد وينبرج منزعجا ونظر اليها بعينين تتقدان شررا ناسيا انها ليست الا صبية عمرها الثالثة عشر، قائلا "من وضع هذه التجاديف في عقلك؟".
جلست جوديت امام جدها الهائج وقد اصفر وجهها وارتعدت من الخوف، ولم تفهم لماذا هذا الهياج، ما الذي اغضب جدها الى هذا الحد!
اذ نظر الجد الى وجه حفيدته المرتعد عاد الى نفسه، ولكي يصلح ما بدا منه من انفعال، اضاف في صوت لطيف ودود "طفلتي العزيزة . لقد ظللت طوال حياتي احارب خرافات عديدة تهدد ايمان امتنا، وكل ذكر لاي خرافة يثيرني للغاية، خاصة عند ذكر يسوع هذا الذي يعبده المهرطقون ويعتبرونهم مسياهم المنتظر. انا اعلم انك دعوته ابن الله عن جهل. ومع ذلك فمن الخطأ الشديد ان تقارني ذلك المحتال بالمسيا المجيد.
جدي انا لا اعلم ان كان المسيا ام لا. فقط اشعر بحزن لا يوصف انهم قتلوه. ذلك البرئ الذي قتلوه كحمل الفصح. لذلك اسال اذا كان هو المسيا ام لا. ربما اخطأ شعبنا.
لا يا عزيزتي، ان الربيين في ذلك الوقت لا يمكن ان يصدر منهم خطأ كهذا.