الأربعاء، 15 مارس 2017

خلف الجبل

ما ان اذنت الشمس بالمغيب، حتى خرج الرهبان كل من قلايته، في لباسه الاسود حاملا على رأسه قلنسوة، ممسكا بيده عكازه.. الكل يسرع ليبتعد حتى يحظى بجلسة هادئة يتأمل فيها اعمال الله.
مرت دقائق واذا بالكل اختفى او كاد يختفي... ولكن شخصا واحدا هرما كان قد اتكأ على عكازه، بالكاد تتحرك قدماه... عيناه قد ارتفعتا الى فوق تتأملان الشمس في اجمل لحظاتها وهي تقترب من المغيب وترسل اشعتها القرمزية فتسطع على رمال الاسقيط لتحيلها الى حبات من الذهب المنثور..
بدأ الشيخ يناجي الله قائلا: "يا لمحبتك الابوية يا خالقنا! لقد اعطيتنا هذه الشمس فانارت ظلمات الدنيا وبعثت في الارض حياة"
سجد الاب الراهب في خشوع ورهبة، ثم انتصب في ثبات ورفع عينيه الى السماء مناجيا..
"ربي ، السموات تحدث بمجدك والفلك يخبر بعمل يديك..
يوم الى يوم يذيع كلاما، وليل الى ليل يبدي علما"
وعندئذ صمت الاب وجال ببصره في البرية واذا بالرهبان متناثرين مثل الكواكب التي ترصع جلد السماء.. كان يسمع ترانيم شجية وتسابيح فرحة.. اهتزت نفسه اذ رأى اولاده البالغين اكثر من 10000 ابن في الرهبنة، وكلهم  يناجون الخالق – تبارك اسمه.
وعندئذ بدأ يفكر : "يا ترى هل انا بين ملائكة ارضيين ام بشر سمائيين؟"
**
وبينما يسير مبتعدا عن الدير قليلا، اذ به يلمح اشباحا غريبة تسرع لتختفي خلف الجبل، انه يعرفهم: انهم بعض افراد القبيلة التي بالقرب من دير العذارى المجاور لجبل شيهات.
"يا ترى فيما يفكرون الليلة؟ وعلى من يتآمرون؟!
فانني اعرفهم واعرف رئيسهم: انه رجل شرس لا يعرف قلبه الرحمة.
انه مجرم احترف الاجرام. انه رئيس عصابة وقاطع طريق. يا رب بدد مشورتهم كما بددت مشورة اخيتوفل.
اذكر يا رب لا نفسه واعلن ذاتك له ولمن لم يعرفوك بعد.
وانت يا جبل الله، اما زلت تأوي قطاع الطريق! اما يكفي ما فعله بك ابونا البار ابو مقار، اذ حولك بنعمة الله الى سماء وفردوس يسمع فيه على الدوام اصوات خاشعة وهي تنطلق بالصلوات.. والتضرعات.. قداسات.. حتى صار اسمك "شيهيت" اي ميزان القلوب.
***
وقطع هدوء الدير صوت قادم من بعيد. انه صوت قرع ناقوس جرس كنيسة دير العذارى. ثم لحظات وسمع اجراس ديره تدعوه الى صلاة الغروب . وعلى وقع اجراس ديره قطع الراب طريق العودة الى الدير... وما هي الا لحظات حتى عاد كل الاباء الى الدير، واغلق باب الدير الكبير.
***
خلف السور العالي الذي يحيط بدير العذارى كانت الرهبان يتقاطرون في هدوء وسرعة الى كنيسة الدير يسجدون امام الهيكل، ثم يأخذون بركة من مقصورة تحوي اجساد القديسين بالدير وبعدها يتم السلام على الام وباقي الاخوات ثم تأخذ كل اخت مكانها في الكنيسة.
وارتفعت الى علو السماء صلاة الغروب، وعلا صوت الام الوقور في روحانية .
"الرب يظلل على يدك اليمنى فلا تحرقك الشمس بالنهار ولا القمر بالليل..
وبعد انتهاء الصلاة نظرت الام الى كنيسة الحصن وصلت: "يا ملاك ميخائيل ، يا حارس الدير، فلتبدأ عملك من الان.. واتجهت الى قلايتها واوصدت الباب خلفها.
أعجوبة في الدير:
في الوقت الذي فيه كان الليل يزحف بظلامه على برية الإسقيط كانت قدما إنسان تتجه إلى دير العذارى.
كان طويل القامة، مرتديًا ثياب راهب، وبيده عصا طويلة من الجريد، يتوكأ عليها ويجر قدميه على الرمال. ويسير في هيبةٍ ووقارٍ، وما هي إلا لحظات حتى كانت يداه تستخدمان عصاه في القرع على باب الدير.
وجاء صوت خافت: "من أنت يا سيدي؟"
عندئذ أجاب الرجل بصوت هادئ: "قولي للأم بأن المسكين دانيال القسيس الذي من شيهات قائم على الباب".
أجابت الأخت من الداخل: "لحظات يا أبي لأخبر الأم".
عندئذ قال لها: "بل قولي لها اقبليني عندكن للغداة لكي أستريح".
أسرعت الأخت مهللة، تحمل للأم نبأ قدوم الأنبا دانيال قس الإسقيط ووجوده خارج ديرهن طالبًا الدخول. وكان سرور الأم أعظم، فأمرت بقرع جرس الدير. فتجمعت الأخوات وأسرعن جميعهن ليستقبلن رجل الله الأنبا دانيال.
وفى سكينة الليل دوت الألحان. فأحالت الدير إلى ليلة عيد. وطأطأت الأم في مطانية وخشوع أمام الزائر القديس. وقبلت الأخوات قدمي ذلك الإنسان، وكانت لأكثرهن أمنية محببة هي رؤية الأنبا دانيال والنعمة التي تشع من وجهه، فتبعث في النفس سلامًا عجيبًا، يزيل الهموم ويحيلها إلى فرح دائم.
وكعادة الدير مع الضيوف، أسرعت الأخوات وأحضرن ماء في لقان، وغسلن رجليه. وكانت الأم القديسة تكرر الترحيب بالضيف، طالبة صلواته وبركاته من أجلها ومن أجل جميع الأخوات لكي يكلل الله حياتهن بسلام وهدوء إلى يوم اللقاء.
قالت الأم لتسمح لي يا أبي أن أحضر لك الأخت هيلانة فقد ولدت عمياء. وحضرت إلينا منذ سنوات وحياتها هادئة، تمارس الأسرار في نشاط دائم. ومحبتها في قلب كل أخت في الدير، لا ينقصها من نعم الله سوى نعمة النظر لتتمتع بقراءة كلمة الله.
وجاءت هيلانه بهداية إحدى الأخوات حتى أمام الضيف، وقالت الأم: "يا ليت قداستكم تصلي عليها لتبرأ مما بها.
قال: "قدمن لها فضلة الماء الذي في اللقان".
أخذت هيلانه الماء ورشمت عليه باسم يسوع وارتفع صوتها قائلة: "بصلاة القديس الأنبا دانيال يا رب لتكن إرادتك". وما أن اغتسلت حتى أسرعت الراهبة وارتمت عند قدمي الرجل وهى تقبلها وتقول:
" أبي. أبي. إنني أبصر، بالحق أراك. أنت رجل الله، أنت قديس البرية. ماذا أرد من أجل صلواتك ومحبتك؟"
وفى وسط تهليل الراهبة وبهجتها انطلقت الراهبات ترتلن وتنشدن ممجدات الله صانع الخيرات. وكانت الأم تصرخ وتقول: "مباركة هي الساعة التي وصلت فيها إلينا. مباركة الساعة التي وطأت فيها قدماك عتبة الدير، يا أنبا دانيال. مبارك الآتي باسم الرب. شكرًا لله الذي أرسلك إلينا الليلة".
أما الرجل فلم يدرِ ماذا يفعل، وكانت الدموع تنهمر من عينيه. يحاول أن يمنع الراهبات من تقبيل قدميه، أما هن فقد تسابقن في التمسك به وأخذ البركة منه. راح الرجل في غيبوبة، ومرت أمام نظره كل حياته.
انزرفت الدموع من عينيه تجرى كما من ينبوع، وإذ طلبن منه أن يأتي ليصلي لهن تسبحة الشكر والتمجيد في الكنيسة، أجاب بدموع:
"يا بناتي. لتصلين من أجلي. إني بالحق خاطئ... اذهبوا ومجدوا الرب. اتركوني وحدي لأبكي على خطاياي".

حياة سليمان -7

صلاة سليمان العلنية:
(1مل8 و 2اي6)
الملاحظ  انه في جميع اجراءات تدشين الهيكل، لا يذكر اسم رئيس الكهنة، بل كان كل شئ يتم تحت ارشاد وتوجيه الملك. وهذا يذكرنا بالتغيير العظيم الذي حدث في معاملات الرب مع شعبه يوم انهار الكهنوت في ايام عالي الكاهن. فقد قال الله عن كاهن الايام العتيدة "يسير امامي مسيحي كل الايام"(1صم2: 35). ونفهم من هذا ان الكاهن اصبح ثانيا بعد الملك. ونعلم ان الملك هو المسيح. فكل بركة تقوم عليه، وكل سلطان ثابت مقرر في شخصه المجيد.
يا لها من صورة محببة ! ملك يجثو على ركبتيه ، يقود امته في ابتهال متواضع لله! صورة نادرة حقا! ولماذا؟ ما الملوك سوى اناس كباقي الناس حتى ولو عظم سلطانهم. الملايين قد يرتعبون امامهم، ولكن ما هو اي ملك، بالقياس الى الله؟ خذ نبوخذ نصر المتعجرف قد وصل الى اعمق اعماق الانحطاط والاذلال حتى يتعلم حقارته ووضاعته، ويتعلم ايضا عظمة الله وجلال اقتداره. ان هذا التصرف الالهي مع اول رأس للامبراطوريات الاممية كان مقصودا به ان ينطوي على درس لكل من يجيئون بعده. والفارق الوحيد الحقيقي بين الملك ورعاياه فيما يتصل بالصلاة هو هذا: ان الملك يحتاج الى الصلاة اكثر من اي انسان في مملكته بسبب المسئوليات الملقاة على عاتقه.
ولقد رأينا ثلاث مرات مشاهد مبهجة لملوك يحنون رؤوسهم باتضاع قدامه في اورشليم:
1-      فها هو سليمان عند تدشين الهيكل والامور موفقة (2اي6: 13).
2-      وهوذا يهوشافاط في يوم خطر بسبب غزو كبير (2اي20).
3-      ثم حزقيا واقعا تحت تهديد ربشاقي المجدف وعسكر الاشوريين (اش37).
هذه الصلوات، هل كانت ذات قيمة؟ نعم، ان الركب الساجدة اقوى من الجيوش الزاحفة، ون ملكا في مسوح هو اقوى من ملك في دروع. وقف سليمان يصلي. وكان يسرنا ، لو اسعفنا المجال، ان ننقل هنا صلاة الجامعة كلها.
ومن مز 127 نتبين مبلغ احساس سليمان في مناسبة تدشين الهيكل. صحيح ان البيت كان قد تم فعلا، ولكن الله وحده الذي يصونه ويحميه، بكل ما يحتويه "ان لم يبن الرب البيت فباطلا يتعب البناؤون". لقد اختفى عرش داود طويلا ، كما اختفت عائلته. ومع ذلك فان داود  لن يعدم رجلا يجلس على كرسيه. فان يسوع قيل عنه "ويعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه"(لو1: 32). وفي يوم الخمسين وقف بطرس يقول لجمهور سامعيه في اورشليم .
احس  سليمان انه كان امرا عجيبا – ان يتنازل الرب ليسكن على الارض مع الناس "فهوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالاقل هذا البيت الذي بنيت". والكنيسة مكونة من خطاة  - من الامم واليهود- هي بيت الله لا تملؤه سحابة المجد، ان كل مؤمن هو "حجر حي" ..
ما اعظم المباينة بين صلاة سليمان صلاة السيد في يو17. ان كلتا الصلاتين كانتا في اورشليم. فمع ان سليمان كان محاطا بالابهة والعظمة الا انه كان يحس في صلاته بان الاستقرار والثبات لم يحن موعدهما بعد. ثم ان سليمان يعم بدرجة ما، امكانيات الجسد البائس المسكين، فقد استخدم كلمة "اغفر" قبل ان يذكر شرا محددا (ع30). ثم يحصي المتاعب المنتظرة:
1-      ذنوب شخصية
2-      هزيمة عسكرية
3-      قحط
4-      مجاعة وباء
5-      خطر القتال
6-      السبي
في وسط نذر الخطر هذه صلى الملك من اجل الاجنبي الذي قد يأتي من ارض بعيدة. فلدينا مثلان : ملكة سبأ والخصى الحبشي..

عيد المظال:
في اعقاب تدشين الهيكل جاءت الاعياد الدينية. فمن شمال الارض الى جنوبها صب الشعب كل اهتماماتهم في الاحتفاء بتلك الاعياد. وفي 1مل8: 62- 66 نرى ظلالا منيرة للمجد العتيد في المسيح. لقد بدأ بناء الهيكل في ربيع السنة الرابعة لسليمان، واكمل في خريف السنة الحادية عشرة، اي بعد سنوات. وسنرى ان ذلك ينطوي على ترتيب الهي. في لا23 نقرأ عن اعياد اسرائيل، وكانت من قسمين رئيسيين: يمكن ان نقول عن اولهما انه ينطوي على المواسم او الاعياد الربيعية والاخر على المواسم الخريفية. واليك مواسم الربيع:
1-      الفصح وايام الفطير
2-      حزمة اول الحصيد
3-      الخمسين مع التقدمة الجديدة ذات الرغيفين
4-      ولقد تمت هذه المواسم الرمزية. فقد ذبح المسيح فصحنا (1كو5: 7). اما الرغيفان فهما يمثلا شعب الله كشهود له في الارض.
اما مواسم الخريف فكانت تقع في الشهر السابع من السنة اي ما يقابل اكتوبر:
1-      هتاف الابواق في اليوم الاول
2-      الكفارة في العاشر
3-      وفي المدة من اليوم 15 حتى 22 عيد المظال
ونقرأ عن ذبائح هذا اليوم لا يمكن تصورها : 22 الف ثور و 120 الفا من الغنم. ومع ان المذبح كان كبيرا جدا جدا الا انه لم يسع الذبائح، ومن هنا قدس الملك وسط الدار التي امام بيت الرب. . ولكن بالقيمة الذبيحة الواحدة التي قدمها الرب يسوع! ففي يوم واحد وبذبيحة نفسه سوى القضية الخطيرة المرعبة، قضية خطايانا "بقربان احد قد اكمل المقدسين الى الابد"(عب10: 14). واصبحنا "مطهرون"(عب10: 2). حقا "يحمدك يا رب كل ملوك الارض اذ سمعوا كلمات فمك، لان مجد الرب عظيم"(مز138)، وسيقول كل واحد منا "اخبر باسمك اخوتي وفي وسط الكنيسة اسبحك"(مز22).
في غمرة تلك الايام نجد ان سليمان والشعب لم يعيدوا عيد المظال ، حيث نقرأ ان البقية الراجعة من السبي "عملوا مظالا وسكنوا في المظال لانه لم يعمل بنو اسرائيل هكذا من ايام يشوع بن نون الى ذلك اليوم".
على ان الهنا رحيم باولئك الذين قلوبهم كاملة نحوه فقد صلى حزقيا الملك في يومه من اجل اولئك الذين لم يتطهروا بل اكلوا الفصح ليس كما هو مكتوب (2اي30: 18).
ان اليوم الثامن الذي انصرف فيه الشعب يرمز الى الابدية. وهذا هو اليوم العظيم الذي وقف فيه الرب يسوع ونادى "ان عطش احد فليقبل الي ويشرب"(يو7: 27). يومئذ كان العيد في قمته، ذلك العيد الذي يشير الى الرب يسوع، بيد ان يسوع وقتها لم يكن مطلوبا، لم يكن مرغوبا فيه. وكان صحيحا يومذاك ، كما هو صحيح اليوم، ان النفوس التي لم تجد شبعها في الطقوس الدينية تقدر ان تجد شبعها وراحتها الكاملة في المسيح.


الرب يتكلم ثانية:
(1مل9: 1-9 ، 2اي7: 12- 22)
اليوم يتكلم الرب مع عبده كلاما خطيرا. كلاما عن مسئوليته. كلاما عن مسئولية سليمان. لقد سمع صلاته وتضرعه، والبيت الذي بناه اصبح مسكنا معترفا به للرب، مسكنا تعهد الرب ازاءه تعهدا عجيبا: "وتكون عيناي وقلبي هناك كل الايام" ولقد خرب هيكل سليمان وخلفته على الموقع ابنية اخرى، غير ان حجي النبي يعلمنا ان البيت هو هو في نظر الرب "مجد هذا البيت الاخير (اي مجده الاخير) يكون اعظم من مجده الاول، قال رب الجنود وفي هذا المكان اعطي سلام"(حج2: 9). وحتى الهيكل الذي بناه هيرودس لتعظيم ذاته دعاه الرب يسوع "بيت ابي" وربما كا اكثر عجبا ان الهيكل الذي سيجبس فيه انسان الخطية يدعى هيكل الله"(2تس2: 4، رؤ11: 1).
ان سفر الاخبار يسجل استجابة الرب لصلاة سليمان في حفل تدشين الهيكل باكثر افاضة من سفر الملوك. ثم جدد عهده بأن داود لا يعدم له رجل يجلس على عرش اسرائيل. غير انه اضاف ان هذا ليس ضمانا لنسل سليمان. صحيح ان الناس صلبوا ذلك الذي حيوه مرة "كابن داود"، لكن الله اقامه من الاموات. وهو جاء من فرع ناثان الملكي (لو3: 31)، ولسوف يتعلم الشعب في مدرسة الضيق ان يركزوا جميع امالهم في شخصه المجيد.
صحيح ان جانبا من خلفاء سليمان كانوا ملوكا صالحين، لكن على الجانب الاخر كان من خلفائه، واشهرهم احاز ومنسى وصدقيا، اشر الاشرار، ملأوا كأس اثم يهوذا حتى فاض. لقد كان يوشيا اخر ملك له قدره عند الامة، وفي التاسعة والثلاثين من عمره انتهت حياة ذلك الملك التقي بأن القى نفسه في غمار معركة لا تخصه (2اي35: 20).
وعند هذه النقطة يحسن بنا ان نقرأ مراثي ارميا. وفيها نجد انسانا سكب حزنه المرير من اجل شعبه. على ان مأساتهم هي مأساة العالم. ومن اسف ان العالم وهو يرزح في زماننا تحت اثقل ضيق ، لا يريد الرب يسوع بعد!

ارتفاع المجد:
يعطينا حزقيال تاريخا محزنا، عن رحيل ومغادرة المجد يوم احس الرب بأنه مضطر ومرغم على ترك بيته. والفصول (ص9: 3، 10: 4 و 18، 11: 23) تصف مراحل ارتحاله كأن الله يغادر شعبه على كره منه. ومع ذلك نقرأ في (10: 4) من ذلك السفر "فامتلأ البيت من السحابة وامتلأت الدار من لمعان مجد الرب".
ثم في (11: 23) نجد ان سحابة المجد توقفت على الجبل الذي على شرقي المدينة قبل ارتحالها الاخير. ولنسمع قول الرب "اذهب وارجع الى مكاني حتى يجازوا (يقروا بذنبهم) ويطلبوا وجهي. في ضيقهم يبكرون الي"(هو5: 15). وكم عانى الرب ! لقد كانت الكلفة اكثر مما يدركها فهمنا "كيف اجعلك يا افرايم؟.... قد انقلب عليّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعا"(هو11: 8). ان "سيد الارض كلها"(يش3) قد اصبح فيما يتعلق بمعاملاته السياسية "اله السماء"(دا2: 27 و عز7: 23). لقد عادت سحابة المجد الى الارض لفترى قليلة جدا يوم كان سيدنا المبارك على جبل التجلي. ثم نلاحظ ان الروح القدس لم يسمح فقط لحزقيال ان يشاهد المجد راحلا عن الهيكل، بل قد اراه ايضا اياه راجعا في ايام سعيدة قادمة، حين تقول الامة التائبة "مبارك الاتي باسم الرب"(مت23: 29).
في رواق سليمان:
بعد الف سنة من الزمان قام هيكل جديد مقام هيكل سليمان، شيده انسان غريب اجنبي. ويومئذ لم يكن في الارض سوى بقية من الشعب، يحكمهم حاكم اممي. وفي رواق سليمان كان يسير واحد ، سما مجده كثيرا اعلى من مجد سليمان، لكن الشعب لم يكن يريده او يعترف به. كان قد بين لهم "ببراهين كثيرة" انه المخلص الموعود "ولكن اقول لك ان ههنا اعظم من الهيكل.. وهوذا اعظم من سليمان ههنا"(مت12: 6 و 14) لكن العيون الرمداء لم تستطع ان ترى شيئا (مت13: 14) وكانوا يقولون في قلوبهم "لا نريد ان هذا يملك علينا"(لو19: 14). يذكر الروح القدس اشارة لطيفة ان سيدنا كان في رواق سليمان حين "كان شتاء"(يو10: 20). وهذا وصف الحالة روحيا وطبيعيا. وحينما يكون الشعب في حالة افضل، حينئذ يكون صيفا لهم ولجميع الامم (مت24: 32 و 33). ويومئذ سيقال "الشتاء قد مضى"(نش2: 10).

الأحد، 12 مارس 2017

اعمال الرسل 2


لوقا: ومتى بدأت الدعوة بين الوثنيين فعلا؟
مرقس: بدأت في انطاكية على اثر التشتت بسبب الاضطهاد العظيم. وبعض يهود الشتات لم يراعوا قواعد الناموس الدقيقة. ولما لاحت بوادر الخلاف ارسلوا خالي برنابا لتدبير الامر، وتحت ارشاده سارت الخدمة في طريقها الى الامام.
بولس: قد استدعاني برنابا من طرسوس للاشتراك معه في هذه الخدمة. ولما تنبأ اغابوس عن المجاعة العتيدة جمع الاخوة مالا واوفدوني وبرنابا لارساله الى اورشليم.
مرقس: وهناك التقيت بك لاول مرة، وانضممت اليك. وانت لا شك ذاكر كيف قتل هيرودس يعقوب بن زبدي، والقى القبض على بطرس، ولكن ملاكا انقذه. فاقبل توا الى دارنا لانه كان صديقا للاسرة، ثم انطلق الى قيصرية حتى مات هيرودس.
بولس: وبعد عودتنا من اورشليم مع مرقس، افرزنا الروح القدس – بواسطة الكنيسة – للعمل التبشيري. فانطلقنا الى قبرس برنابا.
مرقس: وفي ذلك العهد ما كنت قد فهمت الدعوة التبشيرية ، ولم يكن في تيتي السفر الى ابعد من موطن خالي، فلما بلغنا بمفيلية نزلت في اول سفينة عائدة الى الارض المقدسة.
بولس: كان رحيل مرقس خسارة كبرى لنا، وبعد قليل اصابتني حمى برحت بي تبريحا، فاسرعت الى الجبال، الى ولاية غلاطية، واني اذكر جيدا عظتي الاولى في مجمع انطاكية بيسيدية، يوم ناديت في هزال وضعف جسدي، بقيامة المسيح والتبرير من الخطية بالايمان به. وكان اليهود على استعداد لقبول الرسالة. الى ان حل السبت التالي الذي كنا ننادي فيه بالرسالة عينها للامم واليهود على السواء، فانقلب علينا اليهود حتى اضطررنا الفرار الى ايقونية وحصل هناك نفس الامر فهربنا الى لسترا.
(في هذه اللحظة يدخل تيموثاوس)
تيموثاوس: اتستذكرون فيما بينكم وقائع الايام الاولى؟ اسمعوا مني قصة لسترا، فقد شهدت كل شئ بعيني، لاني اختلطت في غير حرج باليهود واليونانيين: في يوم السبت كنت مع امي وجدتي في المجمع، واذا بالغريبين بولس وبرنابا يتكلمان، فدهشتا من تأويلهما الاسفار المقدسة. وبعد قليل كنت مصطحبا ابي في طريقه الى البيت عائدا من هيكل زفس. وكان جالسا على جانب الطريق ، عند مفترق ثلاث طرق، شحاذ مشلول، قعد اليوم كله. وحدث ان مر بولس وبرنابا في هذا الطريق، وكم كان دهشتنا عظيمة عندما رأيناهما يقفان ويتحدثان في هدوء الى ذلك الشحاذ. قتوقفنا ونحن نتساءل ماذا عسى ان يكون موضوع الحديث. وفجأة يدوي صوت بولس قائلا: "قف منتصبا". وقبل ان تنتهي هذه الكلمات طفر الشحاذ طروبا، وراح يقفز ويرقص حول الرسل، يلوح في الفضاء بالحصيرة التي كان قعيدا عليها. ولما انطلق الغريبان اخذ يتبعهما كتلميذ لهما. فركضت انا وابي الى الميدان لنرى الرجل عن كثب. والتف حوله جمهور كبير، وكلهم يصيحون قائلين: "ان الالهة هبطت الى الارض، وان بولس الذي نطق بالكلمات التي ابرأت الرجل لابد ان يكون زفس. وسرعان ما هم كاهن زفس بالقيام بما يفرضه عليه واجب الساعة، وجاء بثيران مكللة ليقدمها ذبائح. كل هذا وبولس وبرنابا في حيرة لا يفهمان ما يجري امامهما، وظنا ان الناس يصيحون شاكرين من اجل المعجزة، ولم يفهما ان القوم حسبوهما الهة، لان الصياح والكلام كله كان بلغة ايقونية. ولما عرفت الامر شققت طريقي وسط الجمع، وهمست في اذن برنابا باليونانية ان الكاهن يوشك ان يقدم لهما الذبائح. فشق بولس وبرنابا ثيابهما وصاحا في الناس "نحن بشر مكثلكم". ولما هدأ الجمع وقف يناديان القوم: "اننا نناديكما ان ترجعا عن الاوثان والاباطيل الى عبادة الاله الحي". ثم تفرق الجمع ولم يبق الا بعضنا لسماع المزيد عن هذا الدين الجديد. وبعد ايام قلائل تعمد الرجل المشلول وامي وجدتي وانا ونفر قليل معنا. ولكن يهود انطاكية وايقونية تعقبوا بولس واثاروا عليه فتنة ورجموه بالحجارة. ولحسن الحظ لم يدركه الموت بل غاب عن وعيه فقط، ولكنه افاق وغادر المدينة الى دربة. وبعد قليل عاد الرسل الينا مرةو اخرى لتشجيعنا وتعضيدنا وفي الزيارة الثالثة تركت امي وسافرت معهم.
بولس: ونحن في غمرة عملنا بغلاطية، ثار مشكل الامم في الكنيسة، وبينما كنا نستريح من عناء العمل في انطاكية سورية ، اقبل الينا قوم من قبل يعقوب في اورشليم، والحوا على ان يختن كل الامم اولا ويقبلوا الشريعة اليهودية قبل المعمودية. وبعد كثير من المشاحنة والنقاش، تقرر ان ننطلق انا وبطرس وبرنابا الى اورشليم مع بعض الاخوة لحل الخلاف. واخذت معي تيطس اخا لوقا ، وكان بين الذين اهتدوا حديثا من ابناء الوثنية، وابيت في تصميم ان اختنه. وف المجمع شرح بطرس وجهة نظره كما سمعت. وقصصت انا وبرنابا الاعمال العجيبة التي اجراها الله بين الامم، واشرنا الى تيطس كمثال . ولخص يعقوب شعور اعضاء المجمع في منحنا مطلق الحرية لمتابعة عملنا، وطلبوا الينا فقط ان نصر على مراعاة القواعد الاساسية، وتسلمنا من ايديهم رسائل بهذا. ثم رجعنا الى غلاطية . وفي ذلك الوقت اخذت سيلا معي. لان برنابا اصر ان يأخذ مرقس ، وعاد الاثنان يخدمان في قبرس ، بينما انطلقت انا وسيلا الى غلاطية ومن هناطك اردنا ان نبشر في اسيا ولكن الروح منعنا. واردنا ان نبشر في بيثنية فلم يدعنا الروح اذ اراد ان تكون من نصيب بطرس. فساقنا الروح الى مكدونية، ولا احاجة بي ان اروي شيئا عن هذه الرحلة، فقد كان لوقا نفسه معنا.
لوقا: نعم، ولن انسى ما حييت كيف التقيت بك في ترواس، واخبرتك ان ابواب مكدونية مفتوحة على مصراعيها، وكيف تشددت انت برؤيا في الليل. واسرعنا العبور الى فليبي وهناك اعتمدت ليدية واخرجت الروح النجس من عرافة. وهل انسى تلك الليلة التي طرحت فيها في السجن، انت وسيلا، وانتظرنا نحن خارجا نصلي، وسمعنا الترانيم التي رتلتماها في ظلام الليل، ثم الزلزلة، واهتداء السجان، وفي الصباح تذلل الولاة حين ادركوا انهم قد يقدمون حسابا عن ارتكابهما مخالفة يحاسب عليها القانون الروماني – وهي جلد مواطن روماني غير محكوم عليه. ووداعنا للرسل في طريقهم الى تسالونيكي.
ارسترخس: وعند ذاك التقيت ببولس لاول مرة، وعرفت الانجيل. وقد ظلوا يعلموننا ثلاثة اسابيع حتى امن منا كثيرون، بينهم ياسون الرجل الطيب. ولكن اليهود الجاحدين تهجموا على داره، وبشق النفس افلت من ايديهم. وارسلنا بولس وسيلا الى بيرية، وهناك اكرم الاهلون وفادتهما، الى ان تعقبهما الحبر اليهودي من تسالونيكي وطردهما من هناك.
تيموثاوس: لم نطرد كلنا ، فان فريقا من الامناء رافقوا بوس الى اثينا. اما انا وسلا فبقينا بضعة اسابيع في بيرية.
بولس: تلك كانت اولى الخطوات للخدمة في مكدونية – القاء البذور على عجل ونحن هاربون من مكان الى مكان. ولكن انظروا ما اوفر الحصاد! ثم زيارتي الاولى الى اخائية . ولكن وددت في ايامي الاولى في طرسوس ان اجلس تحت اقدام فلاسفة اثينا واتعلم منهم، واخيرا جئنا الى اثينا، ولكن لا لاتعلم منهم، بل جئت بفلسفة لم يحلم بها احد منهم، وبحكمة من العلاء. ذهبت الى اثينا معلما لا متعلما. وابديت لهم معرفتي بشعرائهم، ثم امتدحتهم لسعيهم الى معرفة الله. ثم عرضت عليهم بشارتي. ولكن... ولكن ما اثقل اذان الحكماء، كأن بها ثقلا. فغادرت اثينا موجوع القلب. وحسبي عزاءا ايمان ديونيسيوس ودامرس وغيرهما قليلون، وانطلقت الى كورنثوس وانا معتزم ان اطلّق حكمة العالم، وان لا اعرف شيئا غير يسوع المسيح واياه مصلوبا.
تيوثاوس: ولما جئت انا وسيلا الى كورنثوس وجدنا بولس هناك مقيما مع اكيلا وبريسكلا، اللذان كانا قد هجرا رومية على مقتضى قرار الامبراطور كلوديوس. وهنا ايضا اضطهدنا اليهود، فاتجهنا نحو الامم. وفي مدينة كبيرة كهذه. لم تكن للجالية اليهودية قوة على طردنا. ولقد حاولوا مرة محاكمة بولس امام غاليون، ولكن الفوا القانون الروماني لا يكترث بمشاحنناتهم اليهودية. فضلا عن هذا فان بولس قد تشجع برؤيا للبقاء طويلا في كورنثوس.
بولس: وبعد هذا بدأنا العمل في اسيا.
لوقا: حالا؟
بولس: زرت اورشليم اولا ، ومررت بافسس في الطريق، ثم عدت عن طريق غلاطية وفريجية الى افسس. وقبل وصولي التقى بريسكلا واكيلا وكانا قد قدما معي من كورنثوس، بابول الذ كان قد تعمد حديثا معمودية يوحنا المعمدان. وعند وصولي وجدت ايضا نحو 12 من تلاميذ يوحنا لم يبلغهم شئ عن معمودية الروح. فهؤلاء اعتمدوا وقضي 3 اشهر اعلم في المجمع، ولكن بعد ذلك نظرا لمقاومة اليهود، علمت في مدرسة ترانس.
ارسترخس: وبعد هذا حدثت الفتنة العظيمة، وكان مبعثها خوف الصياغ من ان تبور تجارتهم في صنع الاصنام. وحدثت جلبة واخذت انا وغايس الى المسرح، فحاول بولس ان يدخل المسرح ويتكلم، ولكن التلاميذ اقنعوه بالعدول عن ذلك. وظل الجمع مدة ساعتين يصرخ: "عظيمة هي ارطاميس الافسسين". واخيرا هدأت الفتنة بخطاب لين القاه كاتب المدينة بلباقة. وكان بولس قد اعتزم من قبل ان يزور مكدونية واخائية. فتعجلنا رحيله بعد هذه الفتنة.
لوقا: وعند ذلك انضممت انا وتيطس الى الركب. فانه بعد الذهاب الى اخائية عن طريق مكدونية، عاد بولس الى مكدونية ومعه مندوبون ن جميع الكنائس في طريقهم الى اورشليم حاملين تقدمات الشكر، ورفقناهم الى فليبي. وفي ترواس ، في اول الاسبوع، كنا نجري كسر الخبز في ساعة متأخرة ، واذا بشاب يدعى افتيخوس، كان متثقلا بالنوم، يسقط من النافذة، وظن الجميع انه مات، ولكن بولس طمأنهم انه ما زال حيا. وبعد الخدمة لاحلنا ، ولم يتسع الوقت لزيارة افسس، فارسل بولس الى شيوخ الكنيسة لموافاتنا في مليتيس، وهناك انبأهم بسجنه العتيد في اورشليم، وكان مشهد ذلك الوداع مؤثرا جدا. ومن هناك ابحرنا الى صيدا، وجئنا الى قيصرية حيث اقمنا مع فيلبس، احد السبعة ، ومنها الى اورشليم يرافقنا مضيفنا مناسون. وما بلغنا اورشليم حتى دعا يعقوب كل الشيوخ الى الاجتماع بنا، لابلاغهم اننا حافظنا بدقة على الشروط التي وضعها المجمع الكبير. ولتدعيم مركنا قرر بولس ان يقوم ببعض مراسم التطهير في الهيكل مع اربعة من اليهود المؤمنين. ولسوء الحظ – ذاعت اشاعة بان احد الاربعة – وهو تروفيموس – مسيحي اممي من افسس، فقامت فتنة كاد يقضى فيها على حياة بولس لولا تدخل الوالي الروماني. وبينما كان يساق بولس، طلب الاذن له في مخاطبة الجماهير ، وتكلم بالارامية وروى الحوادث الي ادت الى اهتدائه وارساله للامم. وعند ذكره كلمة "الامم" ثارت الفتنة من جديد، وهم الوالي بجلد بولس، ولكنه اذ علم انه مواطن روماني، قرر ان يمثل امام رئيس الكهنة والشيوخ للمحاكمة اولا. وفي المحاكمة صرح بولس انه يقف ليحاكم على رجاء القيامة – واحدث ذلك انشقاقا بين الفريسيين والصدوقيين.
بولس: وقف الرب الى جانبي تلك الليلة.
لوقا: وفي اليوم التالي تآمر اليهود على قتل بولس. ولكن وصل الامر الى حاكم المدينة، فارسل بولس ليلا الى قيصرية ليمثل امام فيلكس. وتبعناه نحن في اليوم التالي، ووصلنا الى قيصرية في اليو التالي لنسمع التهمة التي اقامها رئيس الكهنة على لسان محام خطب قدير. ولم يكن في تلك التهمة شئ معين. فايد بولس في دفاعه براءته في عبارات عامة، ومرة اخرى نادى بحقيقة القيامة. ولمدة سنتين احتجزه فيلكس سجينا، املا عبثا ان يحصل على رشوة لاطلاق سراحه. ولما خلف فستوس فيلكس على كرسي الولاية، جرت محاكمة صورية اخرى. واما بولس فاذ قد تعب من هذه الاجراءات المطولة ويئس من العدالة المحلية، رفع استئنافا الى قيصر، وهو عالم انه بهذه الطريقة تتحقق رغبته القديمة، وهي الذهاب الى رومية. فاحضر فستوس بولس امام الملك اغريباس ليعين تهمة معينة يرفعها الى قيصر. فكرر بولس امام اغريباس قصة اهتدائه، وقال انه ينادي بما انبأت به الكتب المقدسة. واقر اغريباس براءة بولس. وقد دونت كل هذه الخطب في مذكراتي.
ارسترخس: ولما تحدد يوم السفر ، كان قائد المئة المكلف بالحراسة مؤدبا وكريما جدا. فلم  يسمح فقط لي وللوقا بمصاحبته متخفيين في ثياب خدم، بل سمح لبولس بالنزول في صيدا، ولما انكسرت السفينة انقذ حياة بولس من الجنود الذين ارادوا قتله.
بولس: نعم. وفي مليطة ايضا ابدى لي رئيس الجزيرة عطفا كثيرا. ومع ان السفينة انكسرت بي قبل الان ثلاث مرات ، فقد كانت هذه المرة ارهبها واروعها، ولم تنقذني الا عناية الله ورعايته.
لوقا: قد دونت في مذكراتي كل كبيرة وصغيرة من هذه الرحلة، وسأكتبها في كتابي، لكي يعلم كل قاص ودان، مبلغ الالام التي عاناها الرسل، وكيف ان الله ينقذ مختاريه.
بولس: وقد نسيت كل احزاننا يوم رحب بنا بعض الاخوة على مقربة من رومية. وفي هذه المدينة وضعت اولا في غرفة مع الجندي الذي كان يحرسني. وهناك سمح لي ان استقبل رؤساء اليهود. ولما اغلقوا اذانهم اضطررت ان اقول لهم ان الانجيل للامم. وبعد ذلك سمح لي ان اسكن في هذه الدار التي اشتريتها، وةفيها انادي يوميا بالانجيل مؤذنا باقتراب ملكوت الله. فانظر كيف حملت عناية الله الانجيل الى اليهودية والسامرة واقصى الارض.

الاثنين، 6 مارس 2017

اعمال الرسل

الاجتماع الرسولي
مرقس: اني اذكر اشياءا كثيرة رواها لي بطرس عن تلك الايام. واليك بعض مذكرات - كتبها باللغة العامية تلميذ متقدم – يا لوقا. انها مكتوبة بلغتنا اليهودية التي يسمونها الارامية، وهذه اقدر ان اترجمها لك.
لوقا: الا يحسن ان نتريث حتى نستجمع معلومات اوفى؟ فقد يجئ احد التلاميذ بعد قليل وينبئنا عن تقدم الانجيل في الاسكندرية. وقد يعود الينا توما بعد سنوات من تبشيره فى بلاد الهند، ذلك الطرف الشرقي من العالم.
بولس: لا. فان الوقت لا يسمح بالتأجيل. وها نحن كلنا معا: مرقس وانا وانت. وعما قليل ستفرق بيننا البحار العظيمة او مجرى الموت الضيق. فلنعمل ما دام العمل ممكنا. وليس في الامكان كتابة تاريخ كامل. ولقد صدق الاخ يوحنا حين قال، يوم الححنا عليه لوضع تاريخ شامل لاعمال ربنا في فلسطين وحدها، ان مكاتب اثينا والاسكندرية، بل العالم كله، لن تسع الكتبب التي تستوعب هذه الاعمال. اما السفر الذي نتوخاه فهو سجل لبعض عظائم الله، لكي يعلم العالم كله ان يسوع المسيح الذي قام وصعد الى السماء معنا، وان موعد الروح المرتقب قد اكمل.
(يدخل ثاؤفيلوس،وهو فارس روماني)
ثاؤفيلس: السلام لكم!
بولس: ولك السلام!
ثاؤفيلس: اانت بولس المعلم اليهودي؟
بولس: انا يهودي ما زلت، ولكني الان اكثر من يهودي. انا لليهود يهودي، ولليونان يوناني وللرومان روماني، ولكل الناس اخ، وفوق كل هذا انا عبد لله ولربنا يسوع المسيح. نعم، انا بولس. ومن انت؟ وما شأن فارس روماني ان يجئ لزيارة سجين رهن المحاكمة؟
ثاؤفيلس: اسمي ثاؤفيلس، ومعناه حبيب الله، وان يكن الاصح ان اقول حبيب الالهة، الى عهد قريب. لاني الان فقط بدأت اعرف شيئا عن الاله الحق. سمعت عنك لاول مرة عن طريق سينكا الفيلسوف الرواقي – الذي وقفت انت امام اخيه غاليون – في كورنثوس، والذي حكم ببرائتك من التهم التي اقامها عليك اليهود بنو جلدتك. وقد سمعت خلال هذه الاسابيع الثلاثة الاخيرة عن تعليمك وعن المسيح الذي تنادي به – من عبدي، وهو غلام يهودي. وقد عرفت عن احوالك وعن محنتك الحاضرة. فحدثني عن نفسك وعن تعليمك.
بولس: اما عن نفسي فليس لديّ الا القليل، لان محاكمتي كادت تنتهي، وغدا اطلاق سراحي وشيكا. اما دينونة العالم فاتية لا ريب، لان الله قد عيّن يوما فيه يدين العالم بالبر ممن رسمه لذلك، يسوع المسيح.
لوقا: ايها العظيم ثاؤفيلس: لقد هيأ لي الله ان اكتب في كلمات قليلة سيرة حياة ربنا يسوع المسيح، وهاك نسخة جديدة مخطوطة على الرق بخط جميل. فاذا ارتضيت ان تقبلها، امكنك ان تعرف صحة الكلام الذي علمت به.
ثاؤفيلس: اني لا اقبل الهدية مغتبطا فحسب، بل لسوف آمر كاتبي ان يكتب اثنتي عشرة نسخة من هذا الكتاب، لكي يتعلم الاخرون هذه الامور.
لوقا: ويجول بخاطري ان اكتب سفرا اخر اروي فيه بعض الاعمال العجيبة التي يجريها الان روح المسيح، مذ ارتفع من وسطنا.
ثاؤفيلس: وهذا ايضا ارجو ان تعطيني اياه لكي آمر بكتابة صور منه.  لان هذا التعليم الجديد يمس قلبي حقا اكثر من فلسفاتنا، ويتحدث عن اسرار اعجب واروع من الاديان والعبادات الشرقية التي وفدت الينا. لا استطيع البقاء طويلا الان. الوداع!
لوقا: الوداع ايها العظيم ثاؤفيلس؟
بولس: نعمة ربنا يسوع المسيح معك، يا بني.
مرقس: غني سيدخل ملكوت السموات! حقا ارسله الرب لكي يستخدمه لامتداد رسالة الانجيل.
لوقا: والان هيا للعمل! لنجمع في غير وناء الخيوط التي يحاك بها الثوب. ويجب ان ابدأ اولا بصعود الرب، ولقد المحت اليه تلميحا في كتابي الاول، ولكن ههنا يجب ان ابين بايضاح ان ذلك اليوم كان اخر العهد في ظهور ربنا.
بولس: نعم، اخر العهد في ظهوره بالجسد، على انه لم يكن الظهور الاخير، لاني انا قد رأيته حقا، ويراه اليوم كثيرون باعين الايمان.
مرقس: وانت تذكر قوله انه سيعود في سحاب السماء. وهو قد انطلق فوق متن السحاب، وروى لي بطرس ان الملائكة وقفت حوله عند صعوده وانبأت بعودته فوق السحاب.
لوقا: كم كان عدد التلاميذ في تلك الايام؟
بولس: كان على رأسهم الاحد عشر، واخوة الرب الذين امنوا به حينما رأوه على الصليب (كما روى يعقوب).
لوقا: انا اعلم ان الام المباركة والنسوة الاخريات كن في زمرة التلاميذ ولكن كم كان عدد التلاميذ جملة واحدة.
بولس: ليس من الهين معرفة هذا، فان احدا لم يكن يعلم من كان اتباعه. ولقد ظهر لاكثر من خمسمائة مرة واحدة. ولكن العلية التي كانوا يجتمعون فيها – وقد رأيتها بعيني – لم تكن تسع اكثر من ستين.
لوقا: وما الذي حدث ليهوذا الاسخريوطي؟
مرقس: قال بعضهم انه قد شنق نفسه مسوقا الى ذلك بتأنيب الضمير. ولكن هذا الكتيب المكتوب باللغة الارامية يقول انه اشترى حقلا بالثلاثين من الفضة وان زيارته الاولى لهذا الحقل الذي اشتراه بمال السوء كانت شؤما عليه، اشبه بزيارة اخاب لحقل نابوت اليزرعيلي، ذلك انه سقط على صخرة وتهشمت اضلاعه ومات. والذي اعرفه عن يقين هو ما قاله لي بطرس من ان الروح القدس اختار متياس ليشغل مكان يهوذا.
ارسترخس: الروح القدس! هذا حق، فلقد شهدت كل شئ بيني، ولم اكن قد امنت بعد في تلك السنة التي قمت فيها بالحج الى اورشليم. كنت واقفا في الطريق الغاص بالناس، واذا التلاميذ يخرجون مهرولين من دارهم. وفي حياتي ما شهدت قوما ادركهم مثل هذا الحماس. سمعتهم يصيحون "روح الرب قد جاء بنار وعاصفة كما في القديم". ثم تدفقت من افواههم سيول من الالفاظ، ولم اعرف ماذا كانوا يقولون، ولا باي لغة يتكلمون، لاني اعرف اليونانية فقط وبعض الارامية. ولكن كان هناك حشد من الفرجيون وبابليون وبشر من كل الاجناس، ورأيت الكثيرون يتهللون غبطة، كانهم يفهمون ما يسمعون، ولابد ان الكلام كان بلغتهم. وظن بعضنا انهم ثملون، وهذا ما ظننته انا نفسي. ولكن حين اذكر كيف دب الحماس في قلوب الجمع الحاشد، اجزم الان انهم كانوا يسبحون الله بكل لغات العالم. ثم وقف بطرس والقى خطابا بالارامية، بنبرات جليلية قوية بحيث لم استطع انا فهم كلامه كله. وقد سطع على وجهه نور وهاج، وددت لو فهمت كل ما قاله. على انني فهمت انه اذاع نبأ قيامة المسيح من الاموات، وان الروح القدس قد جاء كما سبق وانبأ النبي يؤئيل. وبعد ان فرغ من كلامه تعمّد الجمع من هنا ومن هناك. اما انا فما كنت قد اقتنعت بعد، ولم اسمع شيئا بعد ذلك عن الانجيل الى ان قدم بولس الى تسالونيكي.
لوقا: قد روى لي مناسون القبرسي القصة التي رويتها انت الان. وقد كان هناك في ذلك اليوم، وكان بين الذين تعمدوا، وقدر الذين تعمدوا يومئذ بنحو 3 الاف.
بولس: اندرونكوس ويونياس كانا عناك ايضا، وتعمدا بعد ذلك باسابيع قلائل.
لوقا: سمعت من كثيرين عن تلك الايام الاولى. وقالوا ان المدهش لم يكن في عدد المتنصرين بقدر ما كان في الفتهم ووحدتهم. فقبل ايام كانوا يهودا في بلدان كثيرة وطوائف مختلفة يتشاحنون فيما بينهم، اما الان فقد جمعت بينهم الفة عجيبة، وتبعوا كلهم تعليم الرسل، فكانوا بنفس واحدة في الصلوات اليومية، وكانوا يجتمعون في اليوم الاول من كل اسبوع حيثما استطاعوا للعبادة وكسر الخبز. وامتدت شركتهم فترة من الزمن الى اموالهم ومقتنياتهم، فكانت كل مواردهم مشتركة ينتفع بها الكل.
مرقس: هذا حق، فان خالي برنابا باع كل املاكه،  ووضع الناتج منها تحت تصرف التلاميذ. ولكن قيل بعد ذلك ان واحدا او اثنين من التلاميذ تظاهرا بهذا التصرف، وعمدا الى الخديعة والغش ، فحل بهما القصاص الرهيب. واستطيع ان ازودك بالبيانات من هذا الكتاب الارامي اذا شئت. ويخيل الي ان ذلك كان له اثر عظيم في نفوس المسيحيين باورشليم، وقال بطرس ان خيانة عهد الشركة خطية مميتة رهيبة اشبه بالتجديف على الروح القدس.
لوقا: وهل حسب بطرس موت ذينك الخاطئين معجزة جرت على يده؟
مرقس: كلا، بل حسبه دينونة من الله. على انه اجرى معجزات، فمرة اعاد هو ويوحنا الحياة الى عضو مشلول في رجل اعرج. وهيأت هذه المعجزة فرصة ذهبية لبطرس،فنادى باسم المسيح ، وشرح الامه وموته كأنها تكميل لنبوات اشعياء عن عبد الرب. فاثار هذا سخط رؤساء اليهود، لان عليهم القيت الجريرة في الام عبد الرب البار. على انهم لم يستطيعوا الحاق الاذى ببطرس ويوحنا بعد ان رأى الناس المعجزة التي اجرياها. فعمدوا اولا الى تهديدهما، وبعد ان قاما بمعجزات اخرى اودعوهما السجن. وفي الليل هبط ملاك الرب من السماء واطلق سراحهما. وفي اليوم التالي رآهما الناس يناديان كعادتهما. ولهذا فزعت السلطات كل الفزع، وخشى الرؤساء ان يفضح الله مستور اعمالهم السيئة ويحل بهم العقاب المحتوم. وبلغ بهم الجزع حدا عملهم على التفكير في اعدام بطرس وبعض التلاميذ الاخرين بدون محاكمة، ولم يحل بينهم وبين تنفيذ هذه النية السوداء غير تدخل الحبر غمالائيل.
بولس: كان معلمي الوقور ، الحبر غمالائيل، رجلا صالحا، وكان سؤال قلبي وتوسلاتي الى الله ان يخلص. لاني اشهد له انه كان غيورا فيما لله، ولكن ليس حسب المعرفة.
لوقا: وحوالي هذا الوقت ظهرت بوادر الانشقاق حين شكا نفر من اليهود اليونانيين بان اراملهم الفقيرات لا ينلن نصيبهن العادل من الاحسان. ولكن الشعور بالشركة والائتلاف كان قويا بحيث اضطرت الجماعة الى تعيين سبعة رجال لتدبير الامر، وكانوا كلهم من اليهود. هذا سمعته من فيلبس احد السبعة شماسة، واحدهم ايضا استفانوس الشهيد الاول.
بولس: نعم استفانوس الشهيد الاول. سأروي كل شئ عنه. وعليك ان تكتب قصته بالتفصيل لاني انا اشتركت في رجمه. وقد قمت بحراسة ثياب راجميه. وكان قد حاججنا في المجمع. فلما افحمنا بادلته الدامغة وقهرنا بحججه القوية صممنا على قتله. وما ازال حتى اليوم اذكر كلماته النارية التي شرح بها كيف ان الناموس والانبياء اكملوا في المسيح. وكان وجهه المحتد الصارم القاسم، والذي يشع منه النور والهدوء والسلام اشبه بوجه ملاك. اما كلماته الاخيرة فكانت صلاة طلب فيها المغفرة لنا نحن قاتليه. وقد استجاب الله لهذه الصلاة، على الاقل بالنسبة لي. كنت يومئذ كالذئب يطارد الخراف المفزوعة، فهرب الجمع من اورشليم ما عدا الرسل الذين ايقنوا اننا نخشى المساس بهم. لان الملاك كان قد انقذهم من قبل. ونحن عرفنا في دخائل انفسنا انهم تحت حماية الله، لا يمسهم ضر ولا هم يرهبون.
لوقا: واني لاذكر ما رواه لي فيلبس من انه بدأ يبث الدعوة بسبب هذا الاضطهاد. فنزل الى السامرة ولقى هناك توفيقا حمله على ان يطلب من بطرس ويوحنا ان ينزلا لوضع الايدي على الذين اهتدوا بسبب دعوته لينالوا موهبة الروح القدس. وهناك في السامرة التقى فيلبس بالساحر سيمون.
بولس: ان السحر هو اعدى اعداء الحق وامكرهم. ولكن حين يلتقي السحر بالحق، يمسي عدما. ففي سلاميس بجزيرة قبرس ، تحدى احد السهرة قوة الانجيل، فاصيب بالعمى. وفي افسس حاول سبعة بنين لسكاوى اليهودي ان يتلاعبوا بالسحر باسم ربنا المبارك، فحاق بهم ضرر عظيم، واصبحوا موضع سخرية، كما ان كثيرين ممن كانوا يستعملون السحر احرقوا كتب تعاويذهم بالنار. ولست ادري ماذا حل بسيمون.
لوقا: لست ادري، وان يكن بعضهم يقول ان اهتداؤه للمسيحية كان بهتانا وزورا، وانه ما يزال يمارس صناعته الخاسرة الاثمة في السامرة. ولقد اهتدى على يد فيلبس متنصر اخر رجل امين. خصي حبشي. وكان فيلبس قد سمعه يقرأ من اشعيااء عن عبد الرب، واذ تذكر ان استفانوس كان قد اثبت ان يسوع هو عبد الرب، راح يشرح له الكتب المتعلقة بربنا، فامن الخصي وتعمد – وهو المسيحي الاسود الاول. ولكن الم يكن هناك متنصرون اخرون في تلك الايام؟
بولس: سر الله الذي افرزني من بطن امي ودعاني بنعمته ان يعلن ابنه فيّ لابشر به بين الامم. ولقد رويت لكم من قبل الظروف الخارجية التي اقترنت باهتدائي: الرحلة الى دمشق، والنور، والصوت وعمى بصري ومعمودينتي. على ان الذي رأيته وسمعته تعجز عن وصفه الالفاظ. قد انتزع من بين ضلوعي قلب الذئب. واعطيت قلبا جديدا، واعتزمت توا ان ابشر بالانجيل ، ولكن كان عليّ ان اتعلم من جديد في مدرسة المسيح.
مرقس: في ايام السلام التي اعقبت الاضطهاد، تمت اعمال عظيمة كثيرة، فهذا الكتاب الارامي يقص كيف ابرأ بطرس رجلا يدعى اينياس كان مشلولا مدة ثماني سنوات، واعاد الى الحياة امرأة قديسة تدعى طابيثا. وكلنا يعلم قصة اهتداء كرنيليوس الاممي.
لوقا: سمعتها من قبل، ولكن حدثني عنها مرة اخرى – ولماذا ارتاب في امكان اهتداء الوثنيين الى الامم المسيحية؟
مرقس: شرح الموقف كله في مجمع اورشليم، وروى لي برنابا كل ما حدث. اما بطرس فلم يخامره شك مطلقا في امكان اهتداء الوثنيين الى المسيحية، لان السيد قال صراحة انه يجب المناداة بالانجيل في العالم كله. وكان قد قال ايضا ان حرفا من الناموس لا يسقط. ففهم بطرس من هذا انه يتحتم على الوثنيين ان يختتنوا اولا. وظن ان الناموس يحرم عليه مواكلة الوثنيين غير المختونين، ولم يفعل هذا الا بعد ان كشفت له الرؤيا التي رآها فوق السطح معنى الكلمات.

شهادة جين نيل


عن كتاب : من الزنزانة الى الخدمة - قوة التغيير في حياة جين نيل

قادني اثنان من رجال الشرطة وقالا لي:
- لن تعود الى منزلك بعد ايها اللص الكبير، ولذلك استمتع ببقائك هنا.. وربما نعود اليك ثانية بعد خمسين عاما!
خمسين عاما !
حالما لمحت بيتي الجديد صار قلبي يدق بعنف. لم يكن هناك هواء منعش بل رائحة نفاذة ، وصار عرقي يتصبب من كل جسدي على الارض المحجرة، ولم اسمع سوى صيحات وانات المساجين الاخرين. لقد سقطت فوق رأسي هذه النهاية القاتلة لحياتي وانا اترنح غير مدرك لهذه الحقيقة وكأنها مجرد شبح مخيف
ولكن هكذا هو.. انه بيتي مدى حياتي الباقية.
دارت في ذهني كل احداث حياتي السابقة بينما بقيت راقدا في تلك الزنزانة. لقد تذكرت الاوقات التي كنت ابكي فيها مرارا وانا بعد شاب صغير اشعر بوحدة شديدة ولا سيما قبل ان ادلف الى النوم. لقد كنت اشعر بفراغ ووحدة، رغم اني نشأت في رغد من العيش ولم تكن لي حاجة الى شئ. اما الشعور بالوحدة داخل نفسي ، فهو الذي يكاد يفتك بي وظل ينغص حياتي.
كان لابد ان اثبت نفسي بأي شكل، ولذلك قررت ان اكون متفوقا في كل امر اضع قلبي عليه، وحاولت ذلك في نطاق الجامعة، ثم في سباق السيارات، حتى كان يتهمونني بالجنون اثناء قيادتي للسيارة.
كنت ابحث باستمرار عن مركز الصدارة. وبعد ان تخرجت من الجامعة صرت اشهر محام في قضايا الاجرام في كل المنطقة.
كانت شهرتي واسعة، واذا تحدثوا عن مجرم اطلق سراحه ، كانوا يقولون: "انه "جين" الذي استطاع ان يطلق ذلك الرجل رغم ادانته"!
وحتى الزواج لاكثر من مرة فلا مانع عندي طالما ان ذلك قد يصل بي الى تحقيق اهدافي الدنيئة.
ولكي املأ الفراغ الداخلي والذي لا نهاية له صرت اشغل نفسي بحضور الحفلات الصاخبة والسهرات الحمراء وكل ما يمكن ان يبعث البهجة الى نفسي، وبالتالي انغمست في المخدرات والمسكرات.
اما عملى الاساسي فكان فاسدا قذرا لللغاية. وكانت الرشاوي تمثل جزءا كبيرا من حاتي العملية، وبلا استثناء لاي شخص، سواء كان قاضيا، او شرطيا، او موظفا، واصبح النظام القضائي شبيها بمرحية هزلية لا اكثر ولا اقل.
كنت ادفع الاف الدولارات في سبيل ايجاد مخرج فني يكون سببا في اطلاق سراح موكلي.
ولاني تعرضت لجرائم مستحيلة التصديق من قتل او اعتداء او اغتصاب او تعذيب، فقد اصبحت انا نفسي دزءا من هذه الجرائم وشريكا فيها ... وهكذا كانت حياتي.
وعندما بلغت الاربعين من عمري، كان لديّ كل ما يمكن ان يشتريه المال...
حاول احد اصدقائي وهو محام يدعى "جيم ميللر" ان يحذرني مرة وقال لي اني بهذا الشكل قد فقدت السيطرة على نفسي ولا يمكنني الاستمرار بهذا الاسلوب! لكني اكدت له اني اعلم تماما ماذا افعل ولا داعي ان يقلق من جهتي.
لكنه كان محقا..
لقد اصبحت حياتي بلا معنى ولا قيمة ، لدرجة اني طلبت الموت. ولكن كيف؟
لم اعد قادرا ان اتخلى عن الشهرة ، ولذلك صرت اغرق الى الى اعماق الحضيض. وصرت اساعد كثيرين لارتكاب اعمال مشينة قد تصل الى السطو على البنوك او تجارة الكوكايين.
وكان الزمن يجري بي هكذا..
كانت هناك قضية امسك فيها احدهم متلبسا بثمانية كيلوجرامات من الكوكايين.. وطلبوا مساعدتي، فطلبت اتعابا باهظة. ثم تحدثت قليلا مع المحقق ولم يتحول التحقيق الى المحكمة لان المال لعب دوره على اكمل وجه في شراء ضمائر الناس.
ولما ذهبت لاستلام اتعابي، ربت "هنري" على كتفي وقال انه مفلس تماما، ولكنه عاد يقول لي انه برغم افلاسه لكنه لا يزال يمتلك ثلاثة كيلو جرامات كاملة من الكوكايين ويمكنه ان يقدمها لي بدلا من المال اذا كنت اقبل ذلك، وهي في النهاية تساوي اكثر مما طلبته .. فوافقت.
بعدئذ بدأت ابحث عن مشتر لهذه البضاعة. اتصلت بأحد الذين تعاملت معهم وقد سبق لي ان انقذته من السجن عدة مرات، وسألته عمن يمكن ان يأخذ هذه الكمية بسرعة وامان.
قال لي انه يعرف مثل هذا الشخص وهو بائع كبير موجود في نيويورك وعنده سيارة مشحونة لالاوراق المالية وقد شاهدها هو بنفسه.
تم الاتصال، وجلست معه وكانت لديه كل الاجابات الصحيحة وكانا كلانا متفقينن وسوف اقابله في اليوم التالي في مكتبي وعليه ان يحضر المال.
حضر "كاسي" في الموعد المحدد ومعه حقيبة ممتلئة بالدولارات من فئة الخمسي، ولكني زيادة في الحيطة كشفت عليها وعليه بواسطة اجهزتي الالكترونية الموجودة في مكتبي، وتأكدت انه لا يحمل سلاحا ولا جهازا للتصنت او ما الى ذلك. ثم تحدثنا سويا في مكتبي الثاني ذي الحماية الصوتية تماما.
اعطاني المال، ثم اشرت اليه نحو الباب لكي اعطيه الكوكايين، ولما سألني عن مكانه قلت له انه فوق رأسه مباشرة اي في السقف المعلق داخل الغرفة.
بعدما تمت الصفقة شعرت براحة كبرى اذ انني قمت بأكبر عملية نظيفة وكأنها من الجرائم الكاملة.
ولكن بعد بضعة اسابيع بدأت اشم رائحة غريبة. لقد بدأ "كاسي" يتصل بي تليفونيا في المكتب وفي المنزل، وعادة لا يستخدم التليفون في مثل هذه الامور، والتي تتطلب السرية. كما لاحظت ان بعض السيارات كانت تتعقبني من حين لاخر، وهكذا ادركت اقتراب النهاية، لان "كاسي" كان من رجال الشرطة ويعمل لحساب "الانتربول". لقد خدعني صديقي جيم!
لقد وقعت في عقر داري ولابد من الفرار، لذلك قررت ان اصحب زوجتي دورثي" ونسافر معا الى وسط امريكا الى ان تهدأ الامور. وبعد عدة اشهر عثرنا على مكان نقضي فيه بقية حياتنا في ارض جواتيمالا الجميلة. وكان عليّ فقط  ان اعود الى مكتبي لانهاء بعض الامور المعلقة ثم اعود لكي اعيش سعيدا في جواتيمالا. ولكن عند عودتي كتانت الشبكة منصوبة.
لقد استخدمت الشرطة واحدا من اصدقائي المحامين للقبض علي! وبينما كنت اتسلى مع هذا المحامي قامت الفتاة التي كانت بصحبته بفتح الباب الحديدي الامامي لمكتبي فتمكن البوليس من الدخول.
دخل رجال الشرطة وهم يزأرون في وجهي ان لا المس شيئا. وصدرت لي الاوامر ان اقف ملاصقا للحائط بينما فوهات المسدسات على فمي، وقام اثنان منهم بتفتيشي بدقة بالغة، وقام الباقون بتفتيش المكان كله.
وفي الوقت ذاته كانت سكرتيرتي "المخلصة" تجلس خارجا مع رئيس فرقة التفتيش وقد اخبرته بكل ما كانت تعلم به!
قال لي احد المحققين: "ايها الخنزير الكبير، سوف ادفنك حيا ولن تعود ابدا الى منزلك".
اقتادوني مقيدا الى الزنزانة، وهناك صاح في وجهي احدهم وقال لي مستهزئا: "الم تكن تعلم يا جين ان كاسي كان شرطيا؟"!
اتصلت بزوجتي لاستدعاء احد المحامين يترافع عني، وتمكنت من الاتصال باحد اصدقائي السابقين.
دفعت كفالة واطلق سراحي في انتظار المحاكمة.
لقد شعرت بالاسى الشديد ولذلك تأسفت كثيرا لزوجتي لما تسببت لها من الم وجرح.
لكني قررت الهروب، وخططت لذلك مع اعز اصدقائي المقربين ليوقد كان ملحدا تماما ولم تكن حياته تختلف عن حياتي كثيرا.
اقلعت بالطائرة الى "اتلانتا" ، وشعرت اني حقا في طريق الحرية ولا يمكن القبض عليّ ثانية ولا بعد مليون سنة!
وصلت الى هذا الصديق العزيز القديم "جين باريس" والذي رحب بي بحفاوة بالغة وقال : "اهلا بك، الرب يباركك، انا احبك جدا ومسرور لرؤياك!".
لم يكن هو الصديق القديم الذي عرفته، لكنه كان جديدا في كل شئ ، في محبته ، وفي بهجته، وفي سلامه، وفي حديثه عن "الله"! يا للعجب! ماذا حدث له؟ وكيف؟
دعاني "جين باريس" الى منزله وقال لي انه قد تغير تماما واصبح مسيحيا، وهو يرغب الان ان يصلي من اجلي. وقد فعل وقال "ايها الاب المحب ليتك تساعد صديقي".
في الواقع لم  يسبق لي ان سمعت احدا يصلي مثله .
هنا تغيرت حياتي.
لم اكن اعتقد بوجود "اله"، بل كنت اعتقد ان صديقي اخطأ السبيل. ولكن انتابني شعور مفاجئ مفاده انه اذا عدت الى مكاني واعترفت اني مذنب عن كل الجرائم السابقة فان كل شئ سوف يكون على ما يرام... نعم، لقد كان احساسا غريبا وقد يكون مسا من الجنون! اذ لا منطق فيه ولا سبب له، ولكن هذا الاحساسس طغى على مشاعري كلها.
قلت لصدبقي: "ربما يبدو لي ان ما اقوله هو مس من الجنون، لكني سوف ارجع واعترف اني مذنب واقر بكل ما فعلت، ولا تسألني عن السبب".
اجاب صديقي: "شكرا لله، وسوف اذهب معك".
ذهبنا معا الى المطار .. لم اكن اؤمن بعد بوجود اله فما زلت ملحدا، وكان سبب عودتي هو فقط ذلك الشعور الذي شملني.
عدت الى ميامي واتصلت بهيئة المحكمة، واعربت لهم عن رغبتي في اعترافي بكل ما ارتكبته وسوف اسجل اقرارا بذلك.
لم يصدقوني ، لكني توجهت الى المكان المعين، وانهالت الاسئلة تحاصرني وكنت اجيب عنها واستغرق ذلك ثلاثة ايام كاملة وكأنها الحياة بكاملها... وقد كلفتني حقا بقية حياتي.
اخيرا جاء يوم المحاكمة، ووقفت امام القاضي معترفا بذنبي، وكانت زوجتي تحوطني بذراعها وقد نظرت نحوي والدموع تملأ مقلتيها وقالت لي: "اني احبك ولم اشعر بفخر نحوك مثل هذا اليوم". لقد كانت تعلم اني ذاهب دون رجعة، وقد كان، اذ صدر الحكم بالسجن لمدة خمسين عاما.
نعم، خمسون عاما.
تم ترحيلي الى سجن قديم لا يذهب اليه سوى العجائز والمحطمون والمجانين والذين سوف يلقون حتفهم به.
لن انسى ابدا تلك اللحظة حين اغلقوا ورائي الباب الصلب حيث اقضي بقية عمري... 
خلعوا عني ملابسي، وارتديت ملابس السجن الواسعة مما كان داعيا لسخرية الحراس. ثم اصبحت فجأة وحيدا في زنزانتي.
لقد رأيت هناك حياتي وربما للمرة الاولى اقول اني قد رأيت نفسي... نعم، لقد شاهدت ذاتي... انسانا منكسرا وحيدا فاشلا...
ولمدة خمسين عاما
لقد تعجبت وتحققت من تفاهة سيارتي المرسيدس، ومالي ومركزي..
ولكن في اللحظات الحقيقية لم يبق سوى امر واحد له قيمة داخلية في الحياة، وهذا هو: هل حقا يوجد اله في مكان ما؟ اله حقيقي، ليس مجرد مفهوم عن اله كما يتحدث البعض..
هل يعلم اني هنا في مثل هذا المستنقع الرهيب؟ هل يعلم اني متأسف عما حدث؟
هل يهتم؟
هل سوف يأتي لمعونتي؟
كنت في الاربعين من عمري حين دخلت الزنزانة، وكنت قد جلت في كل انحاء العالم، ولكن في كل هذا العالم لم يقابلني واحد ليقول لي:
"يا جين، هناك الرب الحقيقي يسوع المسيح والذي يحبك وقد مات لاجلك".
لم يسبق لي ان سمعت مثل هذا الكلام.
لكني ظللت افكر في ذلك الرجل في اتلانتا، وفي صلاته وفي طلبه الى الاب ان يساعدني، وفي بكائه اثناء الصلاة. ورغم اعتقادي انه مخطئ  الا اني كنت اعلم في اعماق قلبي انه امن بوجود اله حي في مكان ما! اله حي سمع صوته وسوف يستجيب لصلاته. انه اله احبه واحبني انا ايضا.
عندئذ قلت لنفسي: "يا الهي، يا الهي، ماذا لو كنت مخطئا؟".
ماذا لو كان هناك اله بحق في السماء؟ ربما هناك بعد هذه النجوم توجد غرفة كبيرة هناك في السماء، غرفة كبيرة بها عرش يجلس عليه الله ويسمع الصلوات.. يا ترى ، من يستطيع ان يسمعني من مثل هذا الحضيض؟
ارتميت على ارضية تلك الزنزانة الصغيرة، وصرت ادعو نحو ذلك الاله الذي لا اؤمن به، لكني رفعت صوتي نحوه فربما.. ربما فقط يكون في تلك الغرفة خلف نجوم السماء.
"اه يا الهي! يا رب لا اظن انك هناك.. اسف يا رب، هذا هو اعتقادي. لكن ربما تكون هناك، لذلك ارجوك ان تغفر لي".
"يا رب ، اذا كنت حقا هناك في مكان، اذا كنت حقا في الاعالي وتسمع لي، فارجوك ان تعطيني فرصة اخيرة، وانا اعدك اني لن اطلب منك شيئا اخر مدى حياتي.. لا شئ.. فاذا اعطيتني فرصة اخرى فلن افعل شيئا رديئا مرة اخرى.."
في تلك اللحظات امتلأت الزنزانة بحضور الله... لقد سمعته يتحدث معي بصوت عميق جميل وشجي وكله حب هكذا: "يا جين، اني احبك! لقد انتظرتك طويلا، ولكن اذا منحتني حياتك فسوف امنحك حياتي".
كان الصوت عذبا ورقيقا ، ولم يغضب مني، بل كان متألما بسببي. لقد احبني واراد ان يساعدني. 
انه يهتم بي. وقد تنازل واتى الى هذه الزنزانة ورفعني من الارض وعزاني.
لقد اعطاني فرصة لبداية حياتي من جديد كما لو كنت مولودا ثانية.
لقد وجدت السلام والحب والفرح. انه سلام يفوق كل ادراك.
هناك قدمت نذري لله وقلت: "لست اعلم ماذا تريد مني في هذا السجن، ولكن اعدك انه من الان فصاعدا ، في كل لحظة سوف احاول ان اكون مثل ابنك يسوع بقدر استطاعتي".
لقد واجهت الخوف ، وصارت لي امكانية قضاء الخمسين عاما في تلك الزنزانة المنفردة. لقد هزمت العالم والحياة والموت ، وحصلت على الابدية في قبضة يدي.
اخيرا نهضت من على ركبتي، ربما بعد ساعات ولكن الزنزانة بدت مختلفة. نفس المساحة ونفس القذارة، والخمسون سنة لا تزال امامي، ولكن صار هناك سلام وامان وراحة.
لم يكن مسموحا لنا بأي شئ في تلك الزنزانة الصغيرة، لكن الله امدني بطريقة معجزية بالكتاب المقدس. لذلك بدأت بقراءته مؤمنا بكل ما به من كلام.
اني اذكر ان الله قاد عيني الى ذلك الوعد الحيوي جدا والذي يقول : "فاني متيقن انه لا موت ولا حياة ... تقدر ان تفصلنا عن محبة الله"(رو6).
ومعنى هذا – كما فهمت – ان زنزانات السجن والاحكام بخمسين عاما وكل الرعب المصاحب لهذا، لا يمكن ان يفصلني عن محبة ذلك الالهى الذي اتى اليّ ولمس قلبي وانا على الارض. ان كل حب ذلك الاله صار معي في تلك الزنزانة.
ثم ابرقت عيناي نحو وعد اخر في الصفحة ذاتها، وهو وعد لا نهائي في مداخ "كل الاشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله"(رو8: 28).
وهكذا ادركت ان كل ما انا سوف يعمل لخيري.
ثم بدأت اقر الكتاب المقدس من بدايته. واستطع ان اقرأه بالكامل في غضون اسبوع واحد، ثم كررت القراءة مرة ومرات حتى اصبح جزءا من كياني.
كان الحراس يحضرون لي الطعام ثلاث مرات يوميا ويضعونه على الارض خارجا، وكان لابد ان اركع واجذب الطعام الى الداخل ، وقد حرصت ان اقول لهم شيئا لطيفا في كل مرة حتى ادعهم يرون يسوع في حياتي. ثم اجلس اتناول طعامي شاكرا وعادة باصابع يدي اذ كان غير مسموح بملاعق معدنية، واحيانا قليلة كانت هناك ملاعق ورقية.
بعد اسبوعين مثلت امام هيئة مكونة من ستة رجال وسيدة واحجة، وكان بهدف تقرير مدة بقائي في هذا السجن.
بعد استجوابات مختصرة قالوا لي: "هل يكفيك خمسة وثلاثون عاما؟" وهنا اعترضت بسبب طول المدة وليس بسبب عدم استحقاقي. 
بعد اسبوع اخر ، تم تحويلي الى زنزانة اخرى بذات الحجم ولكن كان بها سرير وكانت انظف قليلا وبها شباك. وتمكنت من كتابة قصيدة حب لله.
بعد اسابيع قليلة دعوني اخرج من زنزانتي لتناول الطعام في صالة الطعام، ويا له من فرح بسبب هذه الحرية الجديدة.
ولكن بدأت الاحظ الكثيرين من السجناء القدامي وهم يتراشقون بأسوأ الالفاظ ويضربون بعضهم بعضا بلا هوادة.. 
ثم جاء عيد الميلاد.
اول عيد ميلاد اقضيه في السجن.. استطعت ان اترنم ببعض ما تذكرته من ترنيمات قديمة للميلاد. 
ثم كان يوم الدهشة، عندما دعاني الحارس خارجا واخبرني انني سوف اتوجه الى مكان اخر. 
ارتديت ملابسي والتي تركتها منذ خمسة وخمسين يوما وقد فقدت اثناءها خمسة وخمسين رطلا فكان منظري كالمهرج العبيط.
تم ترحيلي الى ميامي وهناك استطعت رؤية زوجتي التي جاءت لتزورني. لم تكن بعد قد تقابلت مع الرب يسوع ولكنها بعد ان شاهدت التغيير الذي حدث في حياتي، صارت تطلب ملكوت الله وبره.
بدأت تحث معجزة اخرى.
قال لي الحارس ليلا ان استعد للتحرك باكرا، ولما حاولت الاستفسار لم يجبني بشئ.
لقد استدعاني القاضي نفسه الذي حكم على سابقا وذلك لاعادة محاكمتي، وجعل مدة الحبس اربع سنوات فقط...
اربع سنوات فقط، وبحسب القانون الامريكي سوف اعفى من بقية المدة بعد عام واحد..
تم ترحيلي الى سجن ايجلن وهناك عملت على الة كاتبة في مكتب مكيف الهواء. كان العمل يستغرق ساعة او ساعتين اسبوعيا ، وباقي الاسبوع اقضيه في الصلاة وقراءة الكتاب المقدس.
لقد قضيت بالسجن عامين وثلاثة عشر يوما بالتحديد، وهي مدة لا تتناسب ابدا مع جرائمي.
كان تاريخ الاعفاء يوم الشكر 1973م. شكرا للرب.