الأربعاء، 9 يونيو 2021

تاملات في قراءات عيد الصعود

قراءات يوم خميس الصعود، الذي هو سادس الاعياد السيدية الكبرى، بركته فلتكن معنا . امين.

مقدمة:
 انتهت الزيارة الملكية لابن الله إلى الأرض، وانتهت حالة "أخلى ذاته" وتحقق كلامه الإلهي "خرجت من عند الأب وأتيت إلى العالم، وأيضًا اترك العالم وأذهب إلى الآب" (يو 16: 28).

كل قراءات هذا اليوم تتكلم عن صعود الرب.

مزمور عشية: 
(مز٦٨: ٣٢-٣٥):
"رتلوا لله الذي صعد إلى السماء (الراكب على سماء السموات).".

إنجيل عشية:
(لو٩: ٥١-٦٢):
" ولما تمت الأيام لارتفاعه (صعوده) ثبت وجهه للذهاب إلى أورشليم". رحلة الخلاص بدأها الرب، وهو مصمم على اتمامها الى النهاية، ليقول من على الصليب "قد اكمل".
"ابن الانسان ليس له اين يسند رأسه". جاء المسيح للارض ولم يجد له مكانا يسند فيه رأسه. وقبل ان يصعد قال معاتبا البشر "متى جاء ابن الانسان العله يجد الايمان على الارض؟".

مزمور باكر:
(مز٦٨: ١٨-١٩):
"صعد إلى العلا وسبي سبيًا". وإذ يتذكَّر داود كيف اجتاح رجاله جبال أورشليم، يمتد بنظره إلى ما وراء اللحم والدم ليرى الله صاعدًا إلى العلاء، آخذًا أسرى في ركابه، وغنائم النصر لأولئك الذين كانوا متمردين سابقًا، لكي يمكن أن يسكن بين هؤلاء الناس كَرَبّ لهم ومُخلِّص. ويستخدم بولس ع18 عن صعود المسيح (أف8:4-10). عندما صعد المسيح من الأرض إلى السماء، «سبى سبيًا»، أي أنه انتصر نصرًا مجيدًا على أعدائه، وأعطى الناس عطايا بين الناس كمكافأة عن عمله الذي تم على الصليب (مز18:68).

إنجيل باكر
(مر١٦: ١٢-٢٠):
" وبعد ما كلمهم الرب يسوع ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله"
"اما هم فهرجوا وكانوا يكرزون وكان الرب يعمل معهم ويُثبت الكلام بالآيات التابعة". وفي موضع اخر يقول "هذه الايات تتبع المؤمنين". فالايات كانت تتبعهم تلقائيا، بحسب ارادة الرب، وليس استحسانهم، او بقوتهم.
معلوم أن الآيات جرت عن يد مؤمنين كثيرين في الأول، ولكنها انقطعت شيئًا فشيئًا من أجل الضعف الذي اعترى الإيمان عند مضي الزمان، وإذ ذاك فضعفت الشهادة المسيحية للعالم كما لايُخفى عند القارئ. فأن صنع المعجزات لم يكن للمؤمنين بل لغير المؤمنين. حتى التكلم بألسنة جديدة كان على سبيل آية للذين لم يكونوا قد حصلوا على الإيمان بعد وليس لأجل الكرازة والتعليم (انظر كورنثوس الأولى 22:14).
وإن سأل القارئ لماذا لا نقدر ان نجترح الآيات في أيامنا. أُجيب وأقول: انهُ من الأمور الواضحة كل الوضوح ان المواهب المتعلقة بإجراء الآيات ليست موجودة الآن لأنها قد انقطعت حقيقيةً ولا يوجد وعد واحد برجوعها وانهُ ليس من العلامات الحسنة أننا نهتم بها ونطلب الحصول عليها حتى لما كانت موجودة كانت المواهب المتعلقة بالبنيان الروحي محسوبة أفضل منها انظر (كورنثوس الأولى 1:14) ويجب أن نشكر الله لمداومة ما هي الأفضل عندنا. وعدا ذلك أقول: أولاً- انهُ ما بقى موضوع مناسب لإجراء الآيات فيهِ من وقت انفصال المسيحيين بعضهم عن البعض وتسميتهم بطوائف متعددة فإنهُ لو ظهر شيء من القوة الآن يُنسب حالاً فضلها إلى الطائفة ما أو على الأقل للرجل الظاهر القوة عن يدهِ، وذلك لا يكون لمجد اسم المسيح.
ربما قائل يقول: ولكننا قد سمعنا بحدوث شفاء بعض مرضى وإخراج شياطين في أيامنا فإذًا كيف نجزم بانقطاع هذه القوة تمامًا؟ فأقول: أن الله قادر ان يفعل كما يشاء في أي وقتٍ كان. هذا القبيل ليس من باب القوة والمواهب مطلقًا فإنما يُنسب للصلاة فقط.
نعم لسنا نقدر على اجتراح العجائب وذلك ليس بمطلوب منا ولكننا نستطيع بالنعمة أن نُنادي بمحبة الله التي أظهرها بعطية ابنهِ الحبيب و"الإيمان يأتي بالخبر والخبر بكلمة الله".
المحتمل انهُ سيظهر في هذه الأيام الأخيرة بعض علامات قوة ولكنها تُنسب إلى إبليس لا إلى المسيح فعينا أن نحترز من الضلال.

البولس
(١تي٣: ١٣-١٦):
" بالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد. تبرر في الروح. تراءى لملائكة. بشر به بين الأمم. أومن به في العالم وصعد بالمجد". يرى بعضهم هذه القائمة من الأحداث بحسب تسلسلها الزمني. فيعتبرون، مثلاً، أن «ظهر في الجسد» تشير إلى التجسّد؛ وتبرّر بالروح تشير إلى موت المسيح، ودفنه، وقيامته؛ وتراءى لملائكة تصف صعوده إلى السماء؛ وكُرز به بين الأمم وأومن به في العالم. هي الأحداث التي تلت صعوده، وأخيرًا رُفع في المجد تتحدث عن يوم آتٍ فيه يُجمَّع مفديوه جميعهم، ويُقام الراقدون من الأموات، ويُدخَلون المجد معه. عندئذٍ فقط، وبحسب هذا الرأي، يكون سرّ التقوى قد اكتمل. لكننا لا نجد أي سبب يوجب أن يكون الترتيب تسلسليًا. يرى بعضهم أن في هذا العدد جزءًا من ترنيمة مسيحية قديمة. في هذه الحال، تكون هذه الترنيمة شبيهة بترنيمة تبشيرية معروفة، جاء فيها: عاش لحبّي؛ مات لذنبي .. قام مبرِّرًا نفسي فعشتُ.. يأتي قريبًا يطيبُ لِقاه.

الكاثوليكون
(١بط٣ : ١٥-٢٢): 
"قدسوا الرب في قلوبكم". نقرأ في (إش 8: 12، 13) "لا تخافوا خوفه (خوف الشعب أو تخويفه) ولا ترهبوا. قدسوا رب الجنود فهو خوفكم وهو رهبتكم". هذا الكلام موجه للبقية التقية في زمن الضيقة العظيمة ويقتبسه الرسول بطرس هنا للمسيحيين المتألمين لكن لا نخاف.
"مستعدين لمجاوبة..". فالناس غالبًا ما يطرحون أسئلة تفتح أمامنا الباب، بشكل طبيعي، للتحدث إليهم عن الرب. لذا، علينا أن نكون مستعدّين لإخبارهم عن الأمور العظيمة التي عملها الرب لنا. وهذه الشهادة، يجب أن تتم، في كلتا الحالين، بوداعة وخوف. إن حديثنا عن المخلّص والرب يجب أن يخلو من أي أثر للقساوة، أو المرارة.
"مماتا في الجسد، محييا في الروح".  هل روح المسيح الإنسانية ماتت؟ حاشا. الذي مات هو الجسد. "ولكن محيي في الروح" أي مقاماً بالروح القدس فالروح هنا هو الروح القدس الذي أقام المسيح من الأموات. يقول الرسول بولس "إن كان روح (الله) الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم (فالله) الذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم" (رو 8: 11).
إن ما تبقّى من أصحاح3، يعرض علينا المسيح مثالاً رفيعًا للربّ الذي تألم من أجل البرّ. كما أنه يذكّرنا بأن الألم كان، بالنسبة إليه، السبيل إلى المجد. لاحظ الخصائص الست لآلامه: 1- لقد كانت كفارية، أي أنها حرّرت الخطاة المؤمنين من عقاب خطاياهم. 2- إن فعاليتها أبدية، لأنه مات مرة واحدة، وهكذا سوّى مشكلة الخطية، إذ أكمل الفداء. 3- هذه الآلام كابدها المسيح في سبيل غيره وبدلاً منهم، فالبار مات من أجل الأثمة؟ «والرب وضع عليه إثم جميعنا» (إش53: 6). 4- لقد كانت هذه الآلام لأجل المصالحة، فالمسيح قرّبنا إلى الله بفضل موته، وذلك برفع الخطية التي سبّبت العداوة. 5- كانت قاسية جدًا. 6- أخيرًا، لقد تُوّجت بالقيامة.
"الذي صعد إلى السماء فخضعت له الملائكة والسلاطين والقوات".

الإبركسيس
(اع١: ١-١٤): 
"ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون وأخذته سحابة ثم توارى عن عيونهم".

مزمور القداس
(مز٢٤::٩-١٠): 
"ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد". وهو نفس العدد في قراءات عيد القيامة (راجع ما ذكر سابقا في القيامة). فابواب السماء كانت مغلقة الى ان صعد المسيح كباكورة للبشرية وكشفيع لنا عند الاب.

إنجيل القداس
(لو٢٤: ٣٦-٥٤): 
"ثم أخرجهم إلى بيت عينيا ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلى السماء".
إنه ترتيب عجيب وعميق وفي نفس الوقت يبين عمق معرفة الآباء القديسين الذين وضعوا قراءات القطمارس بالكتاب المقدس بعهديه. فكل مناسبة ينتقون لها القراءات المناسبة جدًا لها من المزامير والأناجيل والرسائل بكل دقة.

الصعود تتويج للقيامة كما أن القيامة تتويج للصلب. 
صعود المسيح هو تمهيد لصعودنا نحن كما يقول معلمنا بولس الرسول "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات". (أف 2: 6).
صعد الرب لكي يرسل إلى الكنيسة الروح القدس المعزي يمكث فيها إلى الأبد (يو 15: 16) يعمل في أسرارها ويقدس كل إنسان.